حين تبكي جامعة زالنجي أبناءها الأوفياء رجال رحلوا… وبقيت سيرتهم منارات تهدي الأجيال

Screenshot_٢٠٢٦٠٨٠٨_١٥٠٢٠٦_Google

 

بقلم: د. مهدي تاج الدين

 

 

هناك مؤسسات تُشيَّد بالحجارة، وأخرى تُبنى بالرجال. وجامعة زالنجي، منذ تأسيسها، لم تكن مجرد قاعات دراسية أو مكاتب إدارية، بل كانت مشروعاً وطنياً حمله رجال ونساء آمنوا برسالة العلم في قلب دارفور، فبذلوا أعمارهم في سبيل أن تظل منارة للمعرفة، وجسراً للأمل، ومأوى لطالبي العلم.

واليوم، وبينما تمر الجامعة بظروف هي من الأصعب في تاريخها، تستدعي الذاكرة وجوهاً غابت عن الأبصار، لكنها لم تغب عن القلوب. وجوهاً صنعت تاريخ الجامعة، وأسهمت في نهضتها، وربّت أجيالاً، وأدارت مؤسساتها، وحرست أبوابها، وخدمت طلابها، حتى صار كل ركن فيها يحمل شيئاً من ذكراهم.

لقد رحلوا إلى الدار الآخرة، لكنهم تركوا وراءهم ما هو أبقى من العمر؛ تركوا الذكر الحسن، والعمل الصالح، والسيرة العطرة. وما أجمل قول الشاعر:

قد يموتُ الفتى ويبقى حديثٌ

حسنٌ بينَ الورى لا يموتُ.

نتذكر بكل إجلال الدكتور إسحق حسن جامع، المدير الأسبق، الذي قاد الجامعة في مرحلة مفصلية، وكان حريصاً على أن تكون الإدارة وسيلة لخدمة العلم والإنسان. ونستحضر البروفيسور علي حسين بحر، المدير الأسبق، الذي عرفه الجميع بالحكمة، وبعد النظر، والإيمان بأن الجامعة لا تنهض إلا بعقول أبنائها.

ونقف بإجلال أمام سيرة الدكتور آدم عبدالرحمن محمد، والدكتور يونس آدم أحمد، الوكيلين الأسبقين، اللذين حملا أمانة الإدارة بكل إخلاص، وكانا قريبين من الجميع، يؤمنان بأن الجامعة أسرة واحدة، وأن خدمة الناس شرف لا وظيفة.

وفي كلية الزراعة، رحلت أسماء ستظل محفورة في ذاكرة طلابها وزملائها؛ الدكتور جمال الدين محمد الحسن، والدكتور أحمد محمد أحمد الطاهر (إسبيسفك)، والتقني الزاهد بشير، الذين جمعوا بين العلم والتواضع، وبين المعرفة والعمل، وأسهموا في خدمة المجتمع قبل أن يخدموا قاعات الدراسة.

وفي كلية الاقتصاد، فقدت الجامعة الأستاذ إسماعيل بكرين، والأستاذ الوقور عبدالله، أستاذ المحاسبة، الذي كان مثالاً للعلم الممزوج بالأخلاق، فلا يذكره أحد إلا وذكر معه حسن الخلق، والتواضع، والابتسامة التي لا تفارق محياه.

كما فقدت الجامعة الأستاذ ياسر شمنو بكلية العلوم الصحية، والأستاذ سعد الدين أحمد داؤد بمعهد دراسات السلام، والدكتور علي بشر أستاذ العقيدة بكلية التربية، والدكتور علي الماهر حسن أبوه أستاذ الدراسات الإسلامية، وكلهم كانوا مدارس في العلم، ومنارات في التربية، وأصحاب أثر لا ينقطع.

ولم يكن الفضل وقفاً على أصحاب الدرجات العلمية، فكم من رجل بسيط كان عظيماً في عطائه. نتذكر الأستاذ حسن إسحق سعد النور (ابن ماجة)، الذي عرفه الجميع في الموارد البشرية بكرم النفس، وحسن المعاملة، وخدمة الناس، كذلك لن ننسى الشاب المبدع بخيت نور الدين، والعم آدم سبيل علي. أما رئيس العمال محمد عيسى ؛ فالحق أقول: لا أستطيع أن أوفيه حقه بالكلمات.

ونتذكر عمنا أبكر شبة، الذي كان وجوده على حديقة الجامعة يمنح الداخلين شعوراً بالأمان، وعمنا آدم اللقلق، الذي لم يكن مجرد سائق، بل كان أخاً لكل من عرفه، يحمل الناس قبل أن يحملهم بسيارته، وعمنا الجمل، رئيس الحرس الجامعي، الذي ظل مثالاً للانضباط والإخلاص والوفاء.

هؤلاء جميعاً كانوا صفحات مضيئة في كتاب جامعة زالنجي. لم يجتمعوا في منصب واحد، ولا في كلية واحدة، لكنهم اجتمعوا في الإخلاص، وحب الجامعة، وخدمة الناس.

واليوم، وقد عصفت الحرب بدارفور، وتعرضت الجامعة لما تعرضت له من معاناة، يبدو حضور هؤلاء الراحلين أكثر قوة في الوجدان. فهم الذين علمونا أن المؤسسات لا تعيش بالمباني وحدها، وإنما بالرجال الذين يغرسون فيها القيم، ويصنعون لها التاريخ.

إن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لم يختلف عليها البشر منذ خلق الله آدم عليه السلام. قال تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾، وقال سبحانه: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. فالموت نهاية كل حي، لكنه ليس نهاية الأثر؛ فالعلم النافع، والعمل الصالح، والخلق الكريم، تبقى شاهدة لصاحبها بعد أن يوارى الثرى.

وإذا كنا قد ذكرنا هذه الكوكبة المباركة، فإن في ذاكرة جامعة زالنجي رجالاً ونساءً كثيرين سبقونا إلى رحمة الله، ولم تسعفنا الذاكرة بذكر أسمائهم جميعاً. لهم جميعاً الدعاء، فهم شركاء في بناء هذه المؤسسة، وأسهموا، كل من موقعه، في صناعة تاريخها.

وفي الختام، لا نقول إلا ما يرضي الله: رحم الله جميع الراحلين من أبناء وبنات جامعة زالنجي، من الأساتذة، والإداريين، والموظفين، والفنيين، والعمال. نسأل الله أن يجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيهم عن كل طالب علم تعلم على أيديهم، وعن كل عمل صالح قدموه، خير الجزاء.

أما جامعة زالنجي، فإنها ستظل مدينة لهم جميعاً؛ لأن الأشجار لا تنسى من غرسها، والمنارات لا تنسى من أوقد مصابيحها، والجامعات العريقة لا تنسى أبناءها الأوفياء.

رحمهم الله جميعاً، وجعل سيرتهم الطيبة نبراساً للأحياء، وجمعنا بهم في مستقر رحمته، إنه سميع مجيب.

مشاركة الخبر

مشاركة الخبر

قد يعجبك أيضاً