بدرالدين خلف الله يكتب: الجنرال موسى علي… حين يرحل صُنّاع التاريخ في أوغندا ويبقى الإرث والأثر 

IMG-20260720-WA0104

أوغندا بالعربي: بدرالدين خلف الله

 

برحيل الجنرال موسى علي عن عمر ناهز 87 عامًا، لا تفقد أوغندا سياسيا أو قائدا عسكريا فحسب، بل تودع أحد أبرز الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بأهم المحطات في تاريخ الدولة الحديثة. فقد امتدت مسيرته من حقبة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال، مرورًا بعهد عيدي أمين، ثم سنوات التمرد المسلح، وصولًا إلى مرحلة المصالحة الوطنية وبناء الدولة في ظل حكومة حركة المقاومة الوطنية.

 

يصعب اختزال حياة الجنرال موسى علي في منصب أو لقب واحد. فقد كان جنديا، ووزيرا، وقائدا لحركة متمردة، ثم مفاوضا للسلام، قبل أن يعود إلى مؤسسات الدولة نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا ومستشارا للرئيس لشؤون السلام والأمن وشمال أوغندا. وبين كل هذه المحطات، ظل حاضرا في المشهد السياسي الأوغندي لعقود طويلة، شاهدا على التحولات الكبرى، ومشاركا في صناعة كثير منها.

 

ولد الجنرال موسى علي في الخامس من أبريل عام 1939 في مقاطعة أدجوماني، وبدأ حياته معلمًا قبل أن يلتحق بالجيش عام 1968. تدرج في المؤسسة العسكرية، وتولى مناصب وزارية رفيعة خلال عهد الرئيس عيدي أمين، ثم غادر إلى المنفى بعد سقوط النظام عام 1979. لكنه عاد لاحقا ليقود جبهة الإنقاذ الوطنية الأوغندية، قبل أن يختار طريق السلام، ويوقع اتفاقية عام 1988 التي مهدت لعودة الاستقرار إلى منطقة غرب النيل، لتصبح واحدة من أنجح تجارب المصالحة وإعادة دمج المقاتلين في تاريخ أوغندا الحديث.

 

وبصفتي صحفيا في أوغندا، كان لي شرف لقاء الجنرال موسى علي عام 2022، في مكتبه في فترة كان يعاني فيها من المرض. ورغم ما بدا عليه من إرهاق صحي، وجدت أمامي رجلًا يحمل هدوء الحكماء، ويتحدث بثقة المؤمن بقضيته، وبمحبة صادقة لوطنه ولأبناء مجتمعه. لم يكن حديثه عن المناصب أو السلطة، بل عن التاريخ، وعن ضرورة أن تعرف الأجيال الجديدة حقيقة مساهمة النوبيين في بناء أوغندا.

 

كان الجنرال موسى علي نعم الرجل النوبي المؤثر، الذي آمن بأن الهوية لا تُحفظ بالشعارات، وإنما بالتوثيق والمعرفة. ولهذا جاءت مبادرته بتأليف كتاب يوثق تاريخ النوبيين في أوغندا، ليترك للأجيال مرجعا مهما يحفظ ذاكرة مجتمع كان جزءًا أصيلًا من تاريخ هذا الوطن.

 

إن هذا الكتاب يمثل إرثا لا يقل أهمية عن مسيرته السياسية والعسكرية، لأنه يروي قصة مجتمع أسهم في بناء أوغندا، ويصحح كثيرا من المفاهيم، ويحفظ التاريخ من النسيان. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا كصحفيين وإعلاميين لا تقف عند نقل خبر وفاة الجنرال موسى علي أو استعراض مناصبه، بل تمتد إلى إبراز هذا العمل الفكري والتعريف به، حتى يصل إلى كل الأوغنديين، وإلى أبناء المجتمع النوبي على وجه الخصوص.

 

إن الأمم لا تخلد رجالها بالبكاء عليهم فقط، وإنما بحفظ إرثهم ونشر أفكارهم وتعريف الأجيال الجديدة بما قدموه. والجنرال موسى علي ترك للأوغنديين تاريخا طويلا من العمل العام، وللنوبيين إرثا ثقافيا وفكريًا يستحق أن يبقى حاضرا في الذاكرة الوطنية.

 

رحل الجنرال موسى علي، لكن سيرته ستبقى جزءًا من تاريخ أوغندا، وسيظل اسمه حاضرًا كلما ذُكرت مسيرة السلام، والمصالحة الوطنية، ودور النوبيين في بناء هذا الوطن، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن أوغندا وأهلها خير الجزاء، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.

مشاركة الخبر

مشاركة الخبر

قد يعجبك أيضاً