كتب: بدرالدين خلف الله
في زمن تتعالى فيه الأصوات المطالبة بإصلاح الأمم المتحدة، يبرز اسم الدبلوماسي الأوغندي **أولارا أوتونو** باعتباره أحد أكثر المرشحين امتلاكاً لسيرة مهنية تجعل الحديث عن قيادة المنظمة الدولية حديثاً عن الخبرة أكثر من كونه حديثاً عن الطموح.
فالترشيح الذي تقدمت به أوغندا لا يقدم شخصية تبحث عن منصب دولي رفيع بقدر ما يعيد إلى الواجهة رجلاً قضى أكثر من خمسين عاماً في دهاليز الدبلوماسية الدولية، متنقلاً بين قاعات مجلس الأمن، وميادين النزاعات المسلحة، ومنابر الجامعات، وقضايا حقوق الإنسان، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بعدد من أهم الإصلاحات التي شهدتها الأمم المتحدة خلال العقود الأخيرة.
ولد أولارا أوتونو في السادس من سبتمبر عام 1950، في شمال أوغندا، وبدأ رحلته التعليمية في مدارس جولو قبل أن يلتحق بجامعة ماكيريري، غير أن معارضته المبكرة لنظام عيدي أمين دفعته إلى مغادرة البلاد والمنفى، وهي محطة شكلت بداية مسيرة سياسية وفكرية استثنائية. لاحقاً أكمل دراسته في جامعة أكسفورد، حيث نال درجة البكالوريوس في القانون، ثم حصل على درجة الماجستير في القانون من كلية الحقوق بجامعة هارفارد ضمن برنامج فولبرايت.
لم يكن أوتونو مجرد أكاديمي لامع، بل كان ناشطاً سياسياً منذ سنوات شبابه، إذ ترأس اتحاد طلاب جامعة ماكيريري، وأصبح أحد أبرز الوجوه الطلابية المعارضة للنظام العسكري آنذاك، قبل أن تبدأ رحلته الدبلوماسية عقب التحولات السياسية التي شهدتها أوغندا.
ومنذ تعيينه سفيراً وممثلاً دائماً لبلاده لدى الأمم المتحدة بين عامي 1980 و1985، بدأ اسمه يتردد داخل أروقة المنظمة الدولية. فقد تولى رئاسة مجلس الأمن في ديسمبر 1981، وشغل منصب نائب رئيس الجمعية العامة، كما ترأس عدداً من اللجان والمجموعات التفاوضية المؤثرة.
لكن ما يميز أوتونو حقاً أنه لم يكتف بشغل المناصب، بل ترك بصمات مؤسسية ما تزال حاضرة حتى اليوم. ففي أثناء رئاسته لمجلس الأمن ابتكر آلية الاقتراع السري غير الرسمي لاختيار الأمين العام للأمم المتحدة، وهي الآلية التي أصبحت تعرف باسم **”صيغة أوتونو”**، وما تزال معتمدة في جميع عمليات اختيار الأمناء العامين حتى اليوم. كما ارتبط اسمه بما يعرف بـ”صيغة أوتونو الثانية”، التي أسهمت في كسر الجمود بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال أزمة غرينادا عام 1983.
وعلى المستوى الوطني، تولى حقيبة الخارجية الأوغندية بين عامي 1985 و1986، وأسهم في محادثات السلام التي أفضت إلى توقيع اتفاقية نيروبي، قبل أن يعود مجدداً إلى الساحة الدولية، رئيساً للأكاديمية الدولية للسلام.
غير أن الفصل الأبرز في مسيرته بدأ عام 1998، عندما اختاره الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ليكون أول وكيل للأمين العام وممثله الخاص للأطفال والنزاعات المسلحة. وهناك نجح في تحويل قضية الأطفال ضحايا الحروب من ملف إنساني هامشي إلى قضية ترتبط مباشرة بالسلم والأمن الدوليين.
كان أوتونو صاحب الدور المحوري في اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 1261، الذي وضع حماية الأطفال ضمن أجندة المجلس، كما صمم آلية الرصد والإبلاغ التي أُنشئت بموجب القرار 1612، والتي ما تزال المرجع الدولي في توثيق الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال أثناء النزاعات. كما أسهم في إنشاء مستشاري حماية الطفل داخل بعثات الأمم المتحدة، وفي إدراج الجرائم المرتكبة ضد الأطفال ضمن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ولم تقتصر خبراته على المكاتب وقاعات الاجتماعات، بل امتدت إلى ميادين النزاعات في أفغانستان، والبوسنة، ورواندا، والسودان، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية، وسيراليون، وكوسوفو، وغيرها من بؤر الصراع، حيث اكتسب خبرة عملية في الوساطة وبناء السلام وإعادة الإعمار.
كما جمع بين العمل الدبلوماسي والعمل الأكاديمي، فدرّس في مؤسسات علمية مرموقة، وشارك في مجالس استشارية لعدد من أبرز المؤسسات الدولية، من بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والبنك الدولي، ومجموعة الأزمات الدولية، ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
وعندما عاد إلى أوغندا بعد سنوات طويلة في الخارج، اختار العودة عبر بوابة السياسة، فتولى رئاسة حزب مؤتمر الشعب الأوغندي، وخاض الانتخابات الرئاسية عام 2011، قبل أن يتفرغ لاحقاً لجهود المصالحة الوطنية وإعادة بناء المجتمعات في شمال البلاد.
واليوم، وهو يخوض سباق الأمانة العامة للأمم المتحدة، يطرح أوتونو رؤية تقوم على استعادة المكانة الأخلاقية للمنظمة الدولية، وتعزيز الوساطة ومنع النزاعات، وإصلاح مؤسسات الأمم المتحدة، والاستعداد للتحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والهجرة، إلى جانب السعي لإنهاء الحروب في أوكرانيا وغزة والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتوفير تمويل تنموي أكثر عدالة للدول الفقيرة.
قد يختلف المراقبون حول فرص فوزه، لكنهم يتفقون على حقيقة يصعب تجاوزها: أن أولارا أوتونو ليس اسماً عابراً في سجل الدبلوماسية الدولية، بل أحد القلائل الذين تركوا بصمة مؤسسية ما تزال تؤثر في عمل الأمم المتحدة حتى اليوم. وربما لهذا السبب يرى كثيرون أن ترشيحه لا يمثل أوغندا وحدها، بل يعكس أيضاً تطلعاً أفريقياً لأن يكون للقارة صوت أكثر حضوراً في قيادة النظام الدولي.