![]()
بقلم: أم نعيم النور
في قلب جوبا، وسط أسواقها المكتظة وروحها النابضة بالحياة رغم الجراح، يقف عدد كبير من التجّار الشماليين في الخط الأمامي… ليس كتجّار وحسب، بل كـ جسرٍ صامد بين شعبين جمعتهما التجارة والمصير المشترك قبل أن تفرّقهما الحرب.
منذ سنوات طويلة، كان وجود الشماليين في جوبا جزءًا أصيلًا من حركة السوق. بعضهم من شمال السودان، وبعضهم من جبال النوبة، المناصير، الشمالية، والجزيرة، جاءوا بحثًا عن الرزق وفتحوا دكاكين صغيرة تحوّلت بمرور الزمن إلى أعمدة ثابتة في اقتصاد المدينة.
لكن الحرب الأخيرة قلبت كل شيء، ودفعت الناس للنزوح، وقطعت الطرق، ورفعت أسعار النقل والسلع، ومع ذلك ظل هؤلاء التجّار في السوق… لم يهربوا، لم يستسلموا، بل واجهوا العاصفة واقفين.
ورغم أن الحرب فرّقت السودان إلى خطوط نار ومناطق خوف، إلا أن السوق بقي المكان الوحيد الذي حافظ على معنى الإنسانية المشتركة.
في جوبا، كان الشمالي والجنوبي يعملان جنبًا إلى جنب، يتبادلان الاحترام واللقمة، ويصنعان علاقة ما زالت أقوى من كل خطاب سياسي.
ولم تكن حياة التجّار سهلة.
منهم من خسر مخزنه بالكامل، ومنهم من غرق رأس ماله في الطريق بين الحدود، ومنهم من طاردته الظروف حتى عاد من الصفر.
لكنهم — مثلما فعلوا دائمًا — أعادوا النهوض، وواصلوا عملهم لأن السوق لا يعرف الانتظار، والناس لا تعيش بالإغاثة وحدها.
ويشهد أهل جوبا اليوم بأن التجّار الشماليين كانوا ولا يزالون سببًا رئيسيًا في استقرار الأسعار، وحضورهم ساهم في توفير السلع الأساسية حين كانت البلاد على شفا المجاعة.
بل إن كثيرًا منهم كان يساعد الزبائن بالدَين، وبالقليل المتاح، حتى يمرّ اليوم الصعب.
ورغم أن الحرب حملت معها مرارات كثيرة، إلا أنها كشفت أيضًا أن الرزق لا يحمل بطاقة هوية، والمعاملة الطيبة لا تنتمي لجغرافيا محددة.
فالشمالي الذي بقي في جوبا لم يبقَ لأن الحرب ناصرته، بل لأنه — ببساطة — كان جزءًا من نسيج المجتمع، وجزءًا من ذاكرة السوق التي لا تُمحى.
اليوم، ومع كل خطوة نحو السلام، يبقى دور هؤلاء التجّار ركيزة أساسية في إعادة بناء الثقة بين الجنوب والشمال.
فالسوق الحقيقي لا يعرف الكراهية…
يعرف الناس، يعرف التعب، ويعرف قيمة اليد التي تمتد للمساعدة وقت الضيق.
وفي النهاية، حين تُكتب قصة الحرب والسلام في السودان، سيُذكر أن أقوى جسور الوحدة لم تُشيّد بالإسمنت، بل بالأمانة في الميزان، والابتسامة عند البيع، والنية الطيبة بين الناس.