أوغندا بالعربي – تقرير : محمد ناضلا

الكثير من السودانيين وغيرهم من الفارين من الحرب جعلوا وجهتهم دولة جنوب السودان، ففي هذا البلد الذي كان جزءًا من البلد الأم قبل الانفصال في ٢٠١١ يتوقعون الترحاب والكثير من التسهيلات. تلاحظ البشاشة في وجوه الجنوب سودانيين تجاه إخوانهم العابرين للحدود، مع ذلك فإن هذا العبور يكلفهم بعض المال مثل رسوم الاجراءات الهجرية وبعض الخدمات. (س، ع) شاب سوداني 33 سنة يصفها بانها :(استغلال للظرف الحرج الذي نمر به، اذ كنا نتوقع معاملة افضل).
في السوق الشعبي لمدينة ربك حاضرة ولاية النيل الأبيض يجد المسافر الى دولة جنوب السودان عبر معبر جودة الحافلات الصغيرة ذات ال (14) راكب بسعر 3000 جنيه سوداني وقد تستغرق الرحلة حوالي 3 ساعات، إذ توجد العديد من نقاط التفتيش التي تتبع للجيش السوداني، حيث يخضع الركاب للتفتيش الدقيق والتحقق من هوياتهم وبياناتهم الشخصية والتأكد من عدم وجود مجندين نظاميين بينهم، كما يتم تفتيش الأمتعة خاصة الادوات الكهربائية والتدقيق في فواتيرها فربما تكون مسروقة من الخرطوم بسبب ظروف الحرب، اما النساء فلا يتم تفتيشهن. النقاط الاخرى في الطريق تكتفي بالملاحظة العابرة لكن عند الوصول لمعبر جودة يتم اجراء تفتيش دقيق للأمتعة والتحقق من الهويات. يضطر المسافر إلى دفع مبلغ مالي يتراوح مابين 1000 الى 3000 الف جنيه سوداني لكي يسمح له بتجاوز الحدود سواء مشيا بالاقدام أو على ظهور عربات الكارو التي تجرها الحمير حتى الوصول إلى نقطة التفتيش الحدودية التابعة لسلطات دولة جنوب السودان على بعد ١٥٠ مترا حيث يخضع المسافر للتفتيش مرة أخرى ويضطر إلى دفع رسوم عبور قد تصل إلى 2500 جنيه جنوب سوداني. وجود منظمة الهجرة الدولية التي تسجل دخول اللاجئين عند هذه النقطة الخدودية قد تسهل الكثير، فهي تمنح العابرين بطاقات تسجيل وتوفر النقل المجاني حتى مدينة الرنك لكن اغلب السودانيين يتحاوزونها ويستقلون سيارات نقل صغيرة على حسابهم وتتراوح أسعارها مابين 5000 الى 10000 آلاف جنيه جنوب سوداني في رحلة تستغرق اقل من ساعة.
تعتبر مدينة الرنك -٤٥ كلم من حدود السودان- أول مقصد للقادمين من السودان، وذلك لأنها تحتفظ بوجدان سوداني مشترك وارتباط اجتماعي وتجاري وثقافي بين البلدين، ويتعين على المسافرين بعد قضاء بعض الوقت في هذه المدينة السفر إلى العاصمة جوبا عبر طيران شحن البضائع.
غالبية العابرين للحدود جنوبيون عائدون إلى بلدهم:
بحسب منظمة الهجرة الدولية فان 250 ألف شخص عبروا الحدود من السودان إلى جنوب السودان، وغالبيتهم من مواطني جنوب السودان، ونقل أغلبهم بشاحنات نقل كبيرة من اطراف ولاية الخرطوم (جبل أولياء والحاج يوسف) من خلال مبادرات مجتمعية وجهود منظمات خيرية في جنوب السودان وأبرز هذه المبادرات citizen call – ERRI وغيرها وبعد عودتهم تقوم منظمات دولية ابرزها منظمة الهجرة الدولية بدور كبير في استقبالهم وتيسير وصولهم الى مناطقهم سواء الى ملكال عبر المراكب النهرية او العربات الصغيرة ونقل بعضهم إلى مدن أخرى عبر الطيران، رغم أن بعضهم يعاني اوضاعا شديدة التعقيد.
اجراءات هجرية لا تراعي ظروف الحرب:
يشتكي بعض السودانيين الفارون من الحرب من غلاء اسعار تذاكر الطيران من الرنك الى جوبا، إذ تناهز نحو (300)دولار فضلا عن تكلفة الاجراءات الهجرية.
(م، ا) 27 سنة سوداني التقيناه في الرنك يقول : ( اعترضنا، أنا ورفيقين آخرين، رجال شرطة في إحدى وكالات السفر في مدينة الرنك واقتادونا إلى مكتب الهجرة لتسجيل بياناتنا والحصول على تأشيرة دخول مقابل (95) الف جنيه جنوب سوداني لكل جواز، فضلا عن ٢٥ ألف جنيه أخرى نظير الفيش والبصمة حتى نستطيع السفر الى جوبا وعندما أبلغناهم بعدم توفر هذا المبلغ لدينا احتجزوا جوازات سفرنا)
(ث، ع) اربعينية سودانية ومعها 4 من بناتها دون سن 14 تقول (عانينا من أجل الحصول على سكن ملائم واضطررنا في النهاية إلى تأجير قطية (غرفة صغيرة من القش) ثم أبلفنا أن إجراءات الهجرة ستكلفنا نحو ( 200) الف جنيه جنوب سوداني لي ولبناتي ومع ذلك لم نجد مقاعد على الطائرة المتجهة إلى جوبا وأجلت رحلتنا لليوم التالي فاضطررت إلى إلغاء الحجز واسترداد ثمن التذاكر وسأحاول السفر عبر ملكال).
الكثير من السودانيين المتواجدين في الرنك يتذمرون من غلاء أسعار الوجبات ومن أسعار قناني الماء سعة ( 600) مل يصل سعرها أحيانا إلى ما يعادل دولارا واحدا، ومع اكتظاظ المدينة بالآلاف من القادمين فإن سعة الفنادق والاستراحات أقل من حجم الطلب.
الارتريين ممنوعين من السفر إلى جوبا:
تكتظ مدينة الرنك باعداد كبيرة من الارتريين خاصة الذين ينحدرون من مرتفعات ارتريا ومعروفين ب(الحبش) كانوا موجودين في الخرطوم واجبرتهم الحرب الاخيرة الفرار الى جنوب السودان ، ينتظرون مصيرا مجهولا حيث ان سلطات دولة جنوب السودان منعت وصولهم الى جوبا، واسباب منعهم لخصها مراقبون في :”تخوف من منافسة الايدي العاملة الوطنية” وقال احد افراد الشرطة في الرنك: (نحن نستقبل السودانيين لأن بلادهم تعاني من الحرب فضلا عن كونها دولة جارة لكن الارتريين لاتنطبق فيهم هذه الأشياء) مما أجبر بعض الإريتريين التعامل مع سماسرة ونافذين الذين يطلبون منهم مبالغ كبيرة تصل الى ( 2000) دولار للتحايل على اجراءات المنع وتمكينهم من السفر إلى جوبا، يفضل الإريتريين الانتظار وتحمل هذه المتاعب بدل العودة الى بلادهم حسب افادة احدى الارتريات.
جمعة الجاك.. وجه الرنك المشرق:
على الرغم من تعقيدات الاجرءات المكلفة والغلاء والمتاعب لكن هناك نماذج رائعة من اهل الرنك تخفف من معاناة الوافدين اليهم مثل العم جمعة الجاك الذي يضرب اروع الامثلة في الكرم اذ يستضيف افواج من عشرات السودانيين في منزله الواسع ويهيئ لهم كل سبل الراحة في المبيت والاعاشة ويتفانى اطفاله في خدمة الضيوف، كما يساهم في تسهيل اجراءات سفرهم الى جوبا.
طائرة انتنوف :
وعندما يتسنى للمنتظرين فرصة الحصول على صعود الطائرة التي تأتي محملة بالبضائع للرنك وتعود بالركاب الى جوبا وهي طائرات من نوع انتنوف قديمة ولايوجد فيها مقاعد او مكيفات هواء، ويتم اجلاس الركاب على حقائبهم بازدحام وتستغرق الرحلة ساعتين من الزمن وعند الوصول الى مطار جوبا يأخذ أفراد الأمن جوازات الركاب ويلزمونهم باحضار ضامن يقيم في مدينة جوبا ودفع مبالغ مالية، مما يثير استهجان القادمين الجدد خاصة السودانيين الذين توقعوا معاملة افضل.