من ألف تذكرة للسودانيين إلى أربعة عقود من العطاء.. العون المباشر تواصل إرث السميط في أوغندا

IMG-20260816-WA0137

 

كتب: د.بدرالدين خلف الله

 

لم تكن الألف تذكرة سفر مجانية التي قدمتها جمعية العون المباشر ـ مكتب أوغندا ـ للاجئين السودانيين مجرد تذاكر سفر تُحمل في الحقائب، بل كانت، في معناها الأعمق، جسورا تُمد أمام أسر وطلاب وأشخاص أثقلتهم سنوات الغربة والظروف القاسية، ليجدوا طريقًا للعودة إلى وطنهم السودان.

 

بالتعاون مع السفارة السودانية في أوغندا، احتفلت الجمعية أمس السبت في العاصمة كمبالا بتقديم ألف تذكرة سفر مجانية للسودانيين الراغبين في العودة الطوعية إلى بلادهم، ضمن مشروع يستهدف مساعدة الفئات الأكثر احتياجا، ممن تقطعت بهم السبل في أوغندا، وأصبح تأمين تكاليف السفر تحديًا يفوق قدراتهم وإمكاناتهم.

ولعل القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في عدد التذاكر وحده، وإنما في الشرائح التي تستهدفها؛ طلاب يريدون العودة إلى مقاعد الدراسة، وأسر تتطلع إلى لمّ شملها، وفئات ضعيفة لا تملك من المال ما يكفي لتدبير رحلة العودة. هنا يتحول العمل الإنساني من شعار إلى فعل، ومن تعاطف إلى مسؤولية، ومن مساعدة عابرة إلى أثر يمكن أن يغيّر حياة إنسان بأكملها.

 

وقد وجدت المبادرة إشادة واسعة من السفارة السودانية ولجنة العودة الطوعية وعدد من المسؤولين، تقديرًا للدور الذي تقوم به الجمعية في مساندة السودانيين، خصوصًا في هذه المرحلة الاستثنائية التي فرضتها تداعيات الحرب وما ترتب عليها من أوضاع إنسانية واجتماعية واقتصادية بالغة التعقيد.

 

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا يتجاوز مبادرة الألف تذكرة: ماذا قدمت جمعية العون المباشر لأوغندا طوال أكثر من أربعة عقود؟

ومن المهم، عند الحديث عن هذه المؤسسة، ألا نغفل الرجل الذي وضع بذرتها الأولى، الطبيب الكويتي الراحل الدكتور عبدالرحمن السميط، ذلك الاسم الذي تجاوز حدود الكويت والعالم العربي ليصبح واحدا من أبرز رموز العمل الإنساني في القارة الأفريقية.

 

كان السميط طبيبا قبل أن يكون رجل إغاثة؛ يداوي الإنسان قبل أن يمد إليه يد المساعدة، ويؤمن بأن أعظم صور الخير أن تحفظ للإنسان كرامته، وأن تصل إليه حيث يعيش، في قريته ومدرسته ومركزه الصحي ومسجده، لا أن تنتظر حاجته حتى تصل إلى أبواب المؤسسات.

 

اختار أن يجعل من الطب والإنسانية رسالة، ومن أفريقيا ميدانًا واسعًا للعطاء. ومن هذه الفلسفة الإنسانية نشأت جمعية العون المباشر، لتواصل بعد رحيله الطريق الذي رسمه، ولتحول الخير من جهد فردي إلى مؤسسة ذات حضور ممتد في عدد من الدول والمجتمعات.

 

ومنذ تأسيس مكتب الجمعية في أوغندا عام 1988، لم يكن حضور جمعية العون المباشر مرتبطًا بموسم أو أزمة محددة، وإنما شكّل مسارًا مستمرًا من العمل الإنساني والتنموي. فقد امتدت مشاريعها إلى قطاعات التعليم والصحة وبناء المساجد والمرافق التعليمية والصحية، إلى جانب برامج الإغاثة العاجلة والدعم المباشر للفئات المحتاجة.

 

وفي مواسم رمضان والأضاحي، ظلت الجمعية حاضرة ببرامجها التي تستهدف الأسر المحتاجة، كما أسهمت في تقديم مساعدات طارئة في المجال الصحي، ولم تتردد في مساندة وزارة الصحة الأوغندية خلال أزمة جائحة كوفيد-19، في وقت كانت فيه المؤسسات الصحية في مختلف أنحاء العالم تواجه واحدة من أصعب الاختبارات.

 

ولم يتوقف دورها عند ذلك؛ فعندما ضربت الأعاصير والرياح العاتية عددًا من الجزر والمناطق في شرق وغرب أوغندا، كانت الجمعية ضمن الجهات التي تحركت لتقديم الإغاثات العاجلة.

 

ومن هذه الزاوية، فإن سجل جمعية العون المباشر في أوغندا يستحق أن يكون محل تقدير رسمي من الحكومة الأوغندية والمسؤولين والمؤسسات المعنية بالعمل الإنساني. بل إن تكريم الجمعية ومنحها وسامًا أو تقديرًا وطنيًا للعمل الإنساني سيكون، في تقديري، رسالة وفاء مستحقة لمؤسسة ظلت تعمل في الميدان لأكثر من أربعين عامًا.

 

وللجمعية اليوم أربعة مراكز رئيسية في أوغندا؛ مكتبها الرئيسي في كمبالا، وفرع في منطقة موكونو، ومركز في كاكيري، وآخر في غولو. وهذا الانتشار الجغرافي ليس مجرد توزيع إداري للمكاتب، وإنما يعكس اتساع نطاق العمل والوصول إلى مجتمعات مختلفة واحتياجات متباينة.

 

ومن هنا، فإن الحديث عن جمعية العون المباشر في أوغندا لا ينبغي أن يكون حديثًا عن منظمة تقدم المساعدات فحسب، بل عن تجربة إنسانية كويتية امتدت جذورها إلى المجتمع الأوغندي، وأسهمت عبر عقود في تخفيف معاناة الآلاف من المحتاجين.

 

وما تقوم به الجمعية اليوم مع السودانيين الراغبين في العودة الطوعية يعيد تذكيرنا بأن العمل الإنساني لا يعرف الحدود. فالجمعية التي وقفت إلى جانب الأوغنديين في الأزمات، وساندت المؤسسات الصحية، وأغاثت المتضررين من الكوارث، تفتح اليوم أبواب الأمل أمام لاجئين سودانيين يبحثون عن طريق العودة إلى وطنهم.

 

وهذه الروح ليست غريبة على دولة الكويت التي ارتبط اسمها عالميًا بالعمل الإنساني. فقد عُرفت الكويت لعقود بدعمها للمبادرات الإغاثية والتنموية في مختلف أنحاء العالم، حتى حظيت بإشادة دولية واسعة، واختارتها الأمم المتحدة مركزًا للعمل الإنساني، كما كُرّم الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح تقديرًا لدوره الإنساني.

 

وهكذا، فإن قصة العون المباشر في أوغندا تبدأ من رجل آمن بأن الطب يمكن أن يكون بابًا إلى الإنسانية، وأن الخير لا يكتمل إلا عندما يصل إلى الإنسان المحتاج؛ وتنتهي اليوم بآلاف القصص التي لا تزال تُكتب في المدارس والمراكز الصحية ومواقع الإغاثة، وفي حياة الأسر التي وجدت يدًا تمتد إليها في أصعب لحظاتها.

 

ألف تذكرة سفر قد تبدو رقمًا في تقرير، لكنها بالنسبة إلى آلاف السودانيين قد تعني أمًا تعود إلى أبنائها، وطالبًا يعود إلى جامعته، وأسرة تستعيد بيتها، وإنسانًا يستعيد شيئًا من الأمان الذي فقده.

 

وهنا تحديدًا تكمن عظمة العمل الإنساني: أن يتحول الشيء البسيط في عين المتبرع إلى حياة جديدة في عين المحتاج.

 

جمعية العون المباشر في أوغندا ليست بحاجة إلى شهادة من أحد كي تثبت حضورها؛ فقد تركت أكثر من أربعة عقود من العمل أثرها في الميدان. وما تحتاجه اليوم هو أن يُرى هذا الأثر، وأن يُقدّر، وأن يُكرّم بما يليق بمؤسسة جعلت من العطاء نهجًا مستمرًا، وحملت إرث رجلٍ جعل من إنسانيته رسالة، ومن مهنته الطبية طريقًا إلى مداواة الإنسان جسدا وروحا.

 

رحم الله الدكتور عبدالرحمن السميط؛ فقد ترك مؤسسة لا تزال تقول، بعد رحيله بسنوات: إن الخير الذي يُزرع في حياة الناس لا يموت.

مشاركة الخبر

مشاركة الخبر

قد يعجبك أيضاً