سد النهضة وإنعكاساته الاقتصادية على السودان هل تمثل ثنائية للمصالح والتهديد؟

GERD_3

أوغندابالعربي – كتب عثمان آدم شريف

يُشكل سد النهضة أو ما يعرف ب”سد الألفية” والذي يقع علي النيل الأزرق بمنطقة بني شنقول-قُمز علي الحدود المتاخمة للسودان في مسافة تتراوح ما بين 20-35 كليو متراً ، عند قوس العرض(6 11) شمالاً ، وخط الطول (9 35) شرقاً وعلي إرتفاع بين (500-600م) فوق مستوي سطح البحر ، ويبلغ إرتفاعه (145) متراً وطوله حوالي 1800 متر وتبلغ التكلفة الإنشائية للسد بحوالي(4.8-5) مليار دولار وقد تصل بنهاية المشروع التكلفة الي(8) مليار دولار للتغلب علي المشاكل الجيلوجية التي قد يتعرض لها السد ، ويعتبر سد الألفية أحد السدود التي تسعي إثيوبيا لتشييدها بغرض توليد الطاقة الكهروبائية، وتبلغ سعتة التخزينية بحوالي 74 مليار متر مكعب “أي ما يعادل حوالي مرة ونصف من إجمالي سعة النيل الأزرق من المياه سنوياً” ، يتكون سد النهضة من وحدتين إنشائيتين هما السد الرئيسي ( (main damوالسد السروجي (sadldle dam) بحيث يقع السد السروجي علي بُعد ( 10) كيلو مترات من السد الرئيسي وظيفة السد السروجي هي زيادة القدرة التخزينية لبحيرة سد النهضة ، وتقدر القدرة الكلية للتوليد الكهربائي للسد بحوالي (6000-7000) ميغاوات في الحد الأقصي ، وبقدرة توليد بحوالي (5150) ميغاوات تعادل الحجم الحالي لبحيرة سد النهضة وحوالي مرة ونصف الإيراد المائي الطبيعي السنوي المتوسط للنيل الأزرق ، ما يعادل ( ثلاثة الي أربعة) أضعاف من حجم الطاقة الكهربائية المنتجة ومن إجمالي السدود السودانية والتي يبلغ عددها 6 سدود ( الروصيرص – سنار – جبل أولياء – خشم القربة – مروي – أعالي عطبرة وستيت) ، وإجمالي ما تنتجه محطات التوليد الحراري.

“الأبعاد الجيو إستراتيجية والجيوبولتيكة لسد النهضة تجاه السودان”

أصبحت قضية المياه كواحدة من القضايا المهمة والضرورية في عناصر الأمن القومي والإقليمي والدولي للدول وعنصر جاذب ومهم وثروة طبيعية متجددة بحركتها بحيث باتت أكثر حيوية من النفط وتحول ملف سد النهضة لأهميته ولعبه دوراً مهماً في حوض النيل الي سبب للنزاع بين الأطراف ويمثل قاسم مشترك بين دول حوض النيل (أثيوبيا ، السودان، مصر) ،الي جانب العديد من المتغيرات منها الجيوإستراتيجية و تطور العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية ما يعكس ان إثيوبيا تحاول أن تعيد تشكيل التوازنات الجيوإستراتيجية في المنطقة وتعمل علي تعزيز أدوارها علي قدر يعظم مكانها الإقليمي في المنطقة كذلك علي مستوي القارة ، عبر تمركزها في حوض النيل من خلال إنشائها أكبر السدود علي مستوي القارة، إذ تعارض إثيوبيا الان العديد من خطوات التنسيق بين الشركاء بداءً في خطتها الأولية لبدئها في ملء بحيرة السد ، فإثيوبيا ترمي علي أقل تقدير الي تحقيق السيطرة علي المياه وذلك من خلال خلق منظومة جديدة بالإقليم عبر شراكاتها مع إسرائيل لضمانها وضعية إقليمية ودولية جديدة علي أساس إعتماد برنامجها التنموي الجديد القائم علي الصناعة والتكنلوجيا والإقتصاد والطاقة النظيفة ، بحسب إتفاقية مياه النيل 1959م والتي تقدر ب 18.5 مليار متر مكعب ، نسبة لصغر السعات التخزينية لبحيرتي “خزاني” الروصيرص وسنار مقارنة بالإحتياجات المائية علي النيل الأزرق مما يؤدي الي شح المياه خلال موسم جريان المنخفض للنيل الأزرق ، وعدم إستهلاك السودان لحصته من إتفاقية مياه النيل ليس بالضرورة بسبب عدم وجود سد كبير في السودان إذ ان السعة التخزينية الكلية للسدود السودانية الستة ( الروصيرص – سنار – جبل أولياء – خشم القربة – مروي – اعالي عطبرة وستيت) تفوق حصة السوادن من المياه ، ولكن سد النهضة سيساعد السودان في إستغلال حصته من مياه النيل بصورة اسرع وأسهل ، أيضاً الي جانب تعاطي أثيوبيا مع ملف سد النهضة “التفاوض” وحوارها مع الأطراف بمنهجية وأدوات وأساليب مختلفة فهي تتعامل بإذدواجية التعامل أشبه بمنهج “تجاهل الأطراف تارتةً والمماطة، وكسب الزمن والتصريحات المرنة” في التعاطي مع الأطراف.

ومن أخطر المعادلات لهندسة الجوار الاثيوبي مع دول الجوار هو قيام إثيوبيا بهندسة جوارها بإعادة ترتيب التمركز القبلي حول المناطق المحيطة بالسد مغبة تلافي وتدارك الصراع القبلي في المناطق المحيطة بالسد مما قامت بإعادة ترتيب التمركز القبلي وإبعاد بعض القبائل لمحاولتها خلق توازنات وتمركزات قبلية جديدة فقامت بإغلاق (تحجيمهم في مكان محدود) “الأرمو بالبني شنقول-قُمز” مما يعمل علي سحب تمركز الأرمو علي السودان وعملت علي ‘اغلاق’ ” الأمهرا بالتقراي” لتلافي وتدارك دور القبائل الحدودية المتاخمة علي السودان وخطورتها في مغبة أن يحدث تداخل عرقي وإنصهار مع القبائل السودانية وإنتقال الثقافة الي السودان وبالتالي ستتشكل تمظهرات وتشكُلات جديدة في المنطقة التي يقوم عليها السد تكون مهددة في أدني تقدير حال نشوب صراع قبلي بين المكونات، لذلك قامت إثيوبيا بإجراء هذه التوليفات بما تسمي هندسة الجوار الاثيوبي وتعد من أخطر السياسات الإثيوبية التي أتبعتها لحفظ الأمن مع السودان ، ويعتبر “شعب بني شنقول-قُمز” وهم جماعة عرقية تعيش على الحدود الإثيوبية السودانية وهو أحد الأقاليم المكونة للفيدرالية الاثيوبية ويقع السد في إقليم بني شنقول-قُمز وتبلغ احصائيتهم بحوالي 4 ملايين نسمة.

“القيمة الإقتصادية للسد التي سيضيفها للسودان”

نفس تدفقات المياه من إثيوبيا “سد النهضة” الي دول المصب يتدفق السكان الإثيوبيين من مناطق “بني شنقول-قُمز وإقليم الأمهرا وإقليم الأرومو” تجاه السودان نحو منطقة منخفضة غنية بالأراضي والثروة الحيوانية والتجارة الحدودية وفي ذات الوقت قليلة السكان وربما تكون خالية السكان في بعض المناطق ، فالسد سيؤدي التي تكامل إقتصادي إستراتيجي آّمن بين السودان واثيوبيا ، فسد النهضة يمثل “الحصن العالي او السد العالي” بالنسبة للسودان بحد وصف أحد المسئولين بالقاهرة ، فوفق لدراسة بمعهد ماسشتوشس للتكنولوجMIT) الامريكي؛ حيث أعده سبعة عشر خبيراً دولياً في تخصّصات الموارد المائية من عدّة دول في العالم عام 2014م، ان السد سيؤدي الي وقف الفيضانات المدمّرة على ضفتي النيل الأزرق والنيل الرئيسي ، إضافة الي ذلك سيعمد في أقل تقدير الي تعدّد الدورات الزراعية بأن يصبح لدى السودان 3 دورات زراعية خلال العام بدلاً من دورة زراعية واحدة حالياً ، أيضاً سيساهم في زيادة توليد الكهرباء في سدود السودان الحالية والتغذية المتواصلة للمياه الجوفية المرتبطة بالنيل الأزرق ونهر النيل ،كذلك سيؤدي في أقل تقدير الي إنتظام حركة الملاحة على النيل الأزرق ونهر النيل طوال العام ،كذلك سيؤدي الي حبس الجزء الأكبر من الطمي المُضِر وهو الطمي غير الذائب مايساعد في إطالة عُمر سد الروصيرص بولاية النيل الأزرق وسد مروي بالولاية الشمالية، علاوة علي ذلك وجود ميزة تفضيلية لتمتع أراضي السودان بالطمي الصالِح المُصفى مايسمى بالقُرير سيُسهم في الحصول على المزيد من الكهرباء الاثيوبية قليلة التكلفة وفي أدني تقدير قد تكون بسعر التكلفة بحسب بنود الإتفاق مع إثيوبيا ، كذلك سيمكن السودان من إستغلال حصته من مياه النيل بعكس ما كانت تذهب سنويًا لمصر (أكثر مِن 6.5 مليار متر مكعب وهذا الإستخدام سيمكن من تعدد الدورات الزراعية خلال العام، وتعدد الدورات الزراعية سيضيف للسودان ميزة تفضيلية ليكون رافد للأمن الغذائي إقليمياً ودولياً ، كذلك سيُمَكن السودان من إسترداد حصص المياه “المسلفة لمصر” بموجب إتفاقية عام 1959م ، بحسب نصّ بنود إتفاقية 1959م الملحق الأول الخاص بالسلفة المائية: “على ان يمنح السودان مصر سلفة مائية لا تزيد عن مليار ونصف من نصيبها.
ان سد النهضة سيساعد السودان كثيراً في إستخدام نصيبه من مياه النيل بموجب إتفاقية عام 1959 لما له من فوائد علاوة علي الميزات الإقتصادية والإجتماعية والبيئية الكبيرة التي تعود للسودان وما تؤكد العديد من الدراسات أن تنظيم جريان النيل الأزرق سيزيد متوسط الإنتاج السنوي للطاقة الكهربائية من سدود الروصيرص وسنار ومروي بمقدار 2300 جيجاوات ساعة ، اي ما يعادل حوالي 15% من الإنتاج السنوي الحالي للكهرباء من السدود السودانية مما تتطلب تغييراً كلياً في الطريقة المتبعة حالياً في تشغيل هذه السدود ، إذ من الضروري إبقاء بحيرات سد الروصيرص وسنار ومروي عند مستوي عالي طوال السنة حتي يمكن الإستفادة من تنظيم جريان النيل الأزرق في زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية ، لذلك تطلب مستوي عالي من التنسيق بين اثيوبيا والسودان حول طريقة تشغيل سد النهضة للإبقاء علي البحيرات الثلاث علي هذا المستوي العالي.

“هل من مخاطر لسد النهضة علي السودان”

إن شكل التعاطي مع ملف سد النهضة من الجانب السوداني يمثل ثنائية للمصالح والتهديد بتمظهرات السد علي السودان فهي واضحة المعالم بقدر ما هي ضئيلة المخاطر علي أدني تقدير، بحيث تبلغ السعة التخزينية للسد بحوالي ما يعادل التدفق السنوي لنهر النيل على الحدود السودانية المصرية بحوالي “65,5 ” مليار متر مكعب ومن المرجح علي أقل تقدير أن يستمر هذ المنوال مستقبلاً الى دول المصب على مدى عدة سنوات ، فاثيوبيا تحاول ان تضع لنفسها نفوذاً جديداً في المنطقة هذا ما سيزيد مخاوف مصر ويعتبر بمثابة تهديد لمسار الأمن المائي لمصر من خلال تناقص حصتها الفعلية الي 52-55 مليار متر مكعب مقابل إرتفاع نصيب الحصة المائية للسودان فعلياً الي ما يرواح 18-20 مليار متر مكعب بدلاً من 8 مليار متر ومن المتوقع أن يؤثر سد النهضة تأثيراً مباشراً علي ثلاث سدود في السودان هي سد الروصيرص وسنار ومروي وتأثيراً غير مباشر علي خزان جبل أولياء ، هذه السدود الثلاث عبارة عن سدود موسمية تتم عملية التعبئة لبحيراتها وتفريغها كل عام ويتم تعبئة بحيرات هذه السدود الثلاث سنوياً خلال موسم الفيضان في شهري أغسطس وسبتمبر ومن ثم إستخدام المياه المُخزنة في الري وتوليد الكهرباء عندما ينخفض جريان النهر في الفترة الممتدة من شهر نوفمبر حتي شهري مايو، وقد يؤثر ملء سد النهضة في توقيته وبكميات مياه لا تتعارض مع التعبئة الموسمية لسدود السودان ، والإ فسيترك ذلك آثار سالبة علي الزراعة المروية وتوليد الكهرباء في السودان.

فأن تشغيل خزانات الروصيرص وسنار ومروي عند مستوي عالي سيزيد من تراكم الطمي في البحيرات الثلاث يقلل العُمر التشغيلي للسدود ، الإ ان كثير من خبراء المياه في السودان يرجحون حجز معظم الطمي المحمول بواسطة النيل الأزرق في بحيرة سد النهضة مما سيُمَكن تشغيل السدود السودانية عند مستوي عالي من غير تأثير يذكر علي العُمر التشغيلي ، وقد يكون هذا التوقع صحيحاً لبحيرتي الروصيرص وسنار، ولكن سد مروي يستقبل كمية مقدرة من الطمي من نهر عطبرة بعيداً عن النيل الأزرق.

“مستقبل وضعية السودان وتعامله مع ملف سد النهضة”

ترتبط العديد من المشاكل الإقتصادية اليوم بموضوع المياه لما لها من أهمية كبيرة علي حياة الشعوب ونشاطها الإقتصادي علي إختلاف أنواعها لاسيما أمنها الغذائي ، وتأثيرها المباشر علي خططها التنموية للدول ، ويغطي حوض النيل أحد عشر دولة افريقية بين منابع ومجاري ومصب و يمر بعدة أقاليم مناخية مختلفة وبعدة أشكال طبوغرافية وتختلف حجم الإستفادة منه من دولة لأخري حسب طبيعة المناخ وعدد السكان وشكل وحجم الأنشطة الإقتصادية ونوعية مصادر المياه المتوفرة وتعددها وقدرة الدول علي الإستفادة من حوض النيل المار في أراضيها والمرتبط بإمكانياتها المادية واستقرارها الداخلي وعلاقاتها السياسية.

سيشكل سد النهضة للإقتصاد السوداني قيمة مضافة عبر خلق سياسات جديدة تتوائم مع المتغيرات الجديدة لسد النهضة عبر إستخدام المياه في العمليات الزراعية والصناعية وإستخراج الطاقة الكهربائية والعمل علي خلق فعل وأثر تنموي وكذلك سيساعد في قيام البني الأساسية الحضرية والريفية مجاورة للسد وما ينجم منه من آثار إقتصادية داعمة للسودان في القطاعات الإقتصادية المختلفة خاصة في المناطق المحازية للنيل ويقدر عدد السكان المتواجدين في الشريط الموازي للنيل بالسودان حوالي 20 مليون نسمة ، فا لابد من العمل علي إيجاد صيغة إتفاق علي أقل تقدير ان تكون مُلزمة حول تشغيل سد النهضة، إضافة الي إجراء العديد من الدراسات المستقبلية المعنية بوضعية السودان وموقفه المائي وذلك للإستفادة القصوي من إنتظام جريان النيل الأزرق في زيادة الطاقة الكهربائية والزراعة المروية وعليه يجب أن تكون هذه الأوراق والدراسات التي أشرت إليها سابقاً لدي موقع قرار للتعامل معها إبان البداية التشغيلية طويلة الأمد لسد النهضة، وضروة العمل علي توفير الموارد المائية للتوسع في الزراعة المروية علي النيل الأزرق وتكثيف الزراعة في المشاريع الحالية للإستفادة القصوي من نصيب السودان بناءاً علي إتفاقية مياه النيل للعام1959م.

مشاركة الخبر

مشاركة الخبر

قد يعجبك أيضاً