كمبالا: أوغندا بالعربي-متابعات

مَتي مِن طُولِ نَزفِكَ تَستَرِيح؟….سَلاماً أَيُهَا الوَطَنُ الجَرِيح!
أما الفراق فقد عاصيته فأبي، وطالت الحرب إلا أنه غلبا. نحن مخلوقين من تعب..يأكلنا الفراق علي مراحل، وينهشنا الصمت علي مهل، ويقضمنا الندم كذلك ولا مفر. نحن كائنات لا تقوﻯ على المعارك ولكنها تسير إلي ساحات الحب خالية الوفاض وبلا سلاح!! (إلهام المجيد)
ألم الفراق عن الوطن من أصعب الآلام وأشدها، فمن لا يبكي علي فراق الوطن؟ ومن لا يشتاق لأرض وطنه؟ فلو لم يكن الوطن غالياً لهذه الدرجة لما سمي (بالوطن الأم)، فهو تماماً كالأم الرؤوم التي تحتضن أطفالها وتمنحهم الشعور بالأمان والسكينة. ومهما سافر الإنسان وارتحل فلن يجد أحن وأدفء من حضن وطنه. حتي أن النبي صلي الله عليه وسلم بكي وحزن لفراق مكة، رغم أنها كانت عبارة عن وادٍ ليس ذي زرع، إلا أنها كانت تمثل له وطنه الأم الذي ظل في قلبه. ودائماً ما تكتسي الحروب في خيالنا طابع البطولة والملحمية، فليس ثمة ماهو أكثر جرأة من مواجهة الموت، والتضحية في سبيل فكرة أنبل ومبدأ أسمي من حياتنا الفردية. ولكن تكتسي الحرب هذا الثوب لمن يراها من بعيد، وتتعري ببطء كلما أمعنت النظر في تفاصيلها كاشفةً عن جوهرها المرعب: تفاهة الحياة: حياتنا وحياة أعدائنا علي السواء. وللأمانة سيلزمنا عمراً إضافياً لنسيان هذه الشهور التي قضيناها بزمن لا يشبهنا، بغابة دخلناها طيوراً وخرجنا منها حطابين. ستلزمنا قلوب أكبر لتتسع كل هذا الأسي. كما سنحتاج للكثير من الصلوات والدعاء والتأمل لنسيان كل ما مررنا به.
وكما هو معلوم فإن الحروب والنزاعات تؤثر بشكل مباشر علي حياة الناس، كما تتزايد الإحتياجات الطبية المنتظمة لذوي الأمراض المزمنة والدائمة، فرحلات النزوح الصعبة، والظروف غير المستقرة في أماكن الإقامات المؤقت يهدد صحة ورفاة الناس. ويعد المصابون بمرض الفشل الكلوي من أكثر الناس معاناة، وذلك لأن بقائهم أحياء يعتمد علي قدرتهم المادية التي تمكنهم من الوصول إلي مراكز غسيل الكلي والإستعانة بخدماتها العلاجية. ولعل المرضي من النازحين في يوغندا مثلهم مثل غيرهم من السودانيين النازحين في بقية الدول الأخري، إنقطعت بهم السبل، وضاقت بهم الحيل، كما أن أكثرهم فقد كل ممتلكاته، وصار لا يملك حتي أبسط مقومات قوته وعلاجه! لذا نجد أن كثيرهم يعاني من مسألة التكلفة العالية جداً لغسيل الكلي بصورة منتظمة، هذا دون ذكر معاناة البقية من مرضي السرطانات، طلاب العلم، والأسر المتعففة الأخري التي تجد الكثير من المشقة في توفير قوت يومها وتكاليف سكنها. وقد بادر نفر كريم من بعض السوانيين ميسوري الحال بكمبالا بجمع تبرعات مالية، علي ضوءها كونت لجنة مختصة بدراسة تلك الحوجات بغرض إدخالها تحت مظلة تلك المبادرة الصحية والإنسانية، وأنا كذلك ومن منبري هذا سأوجه مناشدتي لبقية الإنسانيين من داخل يوغندا وخارجها من أجل دعم هذه المبادرة وتغذيتها بصورة دائمة حتي لا ينضب معينها، وتكبر وتتسع مظلتها لتشمل الكثير من ذوي الحوجات المختلفة من داخل وخارج يوغندا. فمن أوكد حقوق المسلمين وأولاها، أن يحمل بعضهم عبء بعض، وأن يبادروا إلي مساعدة بعضهم ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا. فإذا حلت بأحدهم نازلة من نوازل الدهر، أو نائبة من نوائب الزمان، أو إجتاحته جائحة في نفسه، عرضه أو ماله، كان من حقه علي المسلمين أن يمدوا له يد التكافل والمرحمة، وأن يقفوا بجانبه مؤازرين له ومواسين. ووجب عليهم ألا يتركوه فريسةً للضياع والهلاك، أو عرضةً لسهام المصائب وغوائل الفقر والبؤس. وأن يكونوا عوناً له علي إجتياز المحن، والنجاة من عاديات البأساء والضراء. ولقد حفلت آيات القرآن الكريم وأحاديث نبينا صلي الله عليه وسلم بما يؤكد هذا المبدأ ويرسخه بين المسلمين. قال تعالي: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) [الحج 77]، وقال سبحانه: (فلا اقتحم العقبة ” وما أدراك ما العقبة ” فك رقبة ” أو إطعام في يوم ذي مسغبة “يتيماً ذا مقربة ” أو مسكيناً ذا متربة “ثم كان من الذين أمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ” أولئك أصحاب الميمنة) [البلد: 11 – 18]. وقال عز وجل: (أرأيت الذي يكذب بالدين ‘ فذلك الذي يدع اليتيم ” ولا يحض علي طعام المسكين ” فويل للمصلين ” الذين هم عن صلاتهم ساهون ” الذين هم يرآءون ” ويمنعون الماعون) [الماعون: 1 – 7].
وعن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: “من نفس عن مسلمٍ كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر علي معسرٍ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “الساعي علي الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار”.
ولقد أتى الإسلام بالكثير من التشريعات التي تعمق مبدأ التكافل والتراحم والمواساة بين المسلمين، مثل الزكاة والصدقة، وصلة الرحم وتحريم الإحتكار، ونحو ذلك من التشريعات التي تصنع مجتمعاً متكافلاً ليس فيه جائع ولا عريان. كما أن الصدقات قد تقضي للمحتاجين بعض حاجاتهم دون أن يطرقوا الأبواب، أو يسألوا الناس إلحافاً، وذلك له ثواب عظيم عند الرحيم الكريم سبحانه، وصناع المعروف لا يقعون إلا متكئين. فإذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، ووفقه لقضائها، فإن قضاء حوائج الناس والإحسان إليهم من أعظم أعمال البر. فالإسلام لا يهمل البسطاء، ولا يكسر الفقراء، ولا يهين الضعفاء، فالمعروف ذخيرة الأبد، والسعي في شؤون الناس زكاة أهل المروءات، ومن المصائب عند ذوي الهمم، عدم قصد الناس لهم في حوائجهم، فيقول حكيم بن حزام رضي الله عنه: “ما أصبحت وليس علي بابي صاحب حاجة، إلا علمت أنها من المصائب”. وقد قدم الأنصار نموذجاً للتكافل والتراحم بين المسلمين سيظل أعظم وأنبل ما عرفته الدنيا، متمثلاً فيما جادت به أخلاقهم الكريمة، وصنعته مواقفهم النبيلة مع إخوانهم المهاجرين يوم لاذوا بهم في المدينة المنورة، مهاجرين في سبيل الله، تاركين خلفهم أهليهم وديارهم وأموالهم.
فهل يضع السودانيون اليوم هذه النماذج وأمثالها نُصب أعينهم ويطبقونها فيما بينهم؟ فيصلوا أخوة لهم فقراء بما وسع الله عليهم ليواسوهم في محنتهم، فيكسوا عاريهم، ويطعموا جائعهم، ويجمعوا شمل المشردين منهم، ويعالجوا مريضهم، ويخففوا من وطأة المصائب التي حلت بهم؟
صحيح أن ظروفاً صعبة جداً تمر بها بلادنا، الملايين هُجّروا، والآلاف قتلوا، فكل المآسي التي نراها، نعيشها ونسمع بها ليست سوي تحدٍ لنا بأن ننهض بأـمتنا. فالهجرة ليست النهاية، بل ربما تكون البداية لكل شئ. فللوطن حقٌ علينا. كما يجب أن نتعلم أن الأمل يبقي رغم قسوة الظروف، والأهداف تستمر مهما واجهنا من صعوبات. نتعلم أن الهجرة قد تكون بداية لنجاحات كبيرة كان من الممكن ألا نري بريقها لو لم نهاجر. نتعلم أن بذرة الوطن التي تعيش بداخلنا لا تموت أبداً مهما طال البعد والفراق. كما نتعلم أن الفراق عن الوطن لا يعني بالضرورة التوقف عن العمل والإنتاج وفقدان الأمل، وأن علمنا، عملنا وجهودنا لابد أن يصل تأثيرها إلي الوطن. بل كلما اشتقنا لوطننا أكثر، تحفزنا لأن نعمل ونتعلم كي نعود إليه وفي أيدينا أدوات تعميره.
للتواصل والتبرع من أجل المبادرة الصحية بيوغندا الرجاء التواصل مع الأستاذ/ مدثر الكعيك، مكالمات وواتس اب : 0773692528
د.سعاد عثمان بابكر – 12 أبريل 2024م