سفير السودان في أوغندا يكتب : السودانيون في أوغندا تحويل الصعوبات إلى صناعة الفرص

أوغندا بالعربي-متابعات

عرفان وترحيب

قبل أن أدلف في هذا المقال لابد من تسجيل صوت شكر الجمهورية يوغندا قيادة وحكومة وشعباً على كونها قد أوفت بما وعدت في الإستقبال اللائق للسودانيين القادمين إليها بسبب الأحداث الجارية في السودان لتكون هذه الدولة الصديقة من الدول القلائل التي فتحت أبوابها على مصراعيها وبأريحية تامة ستسطر في سجل تأريخ هذه المحنة وفي الصفحة اللائقة بها أيضاً. وستنقش هوامشها بوفاء السودانيين المعهود. كما أرحب ترحيباً حاراً بجميع السودانيين الذين إختاروا يوغندا وجهة لهم وكلي ثقة وأمل في أن يجدوا فيها مراغماً كثيراً وسعةً تنسيهم هول المصاب، نسيجاً موحداً، متماسكاً معطاءً ومن المجتمعات الرائدة في إقليم شرق أفريقيا.

ماقبل الأحداث

في خطتي المسبقة واللاحقة بعد وصولي سفيراً للسودان في يوغندا، لم أفرد مساحات ذات دلالة للجوانب السياسية والأمنية في العلاقات الثنائية بين البلدين سوى ما يتطلبه حفظ الخانة في جداول هذه الخطة، وإنما أسهبت في الأفكار والتصورات الخاصة بإمكانية إحداث إختراق في المجال التجاري والإستثماري. وحسب تقديري المتواضع بأن السودان ويوغندا قد أضاعا زهاء الأربعة عقود تميزت بالتوترات عوضاً عن الإستغلال الأمثل للموارد المهولة التي يمتلكها البلدان، بجانب ميزات أخرى لا يسعها هذا المقال. كما أن العلاقات بين البلدين لا زالت دون الطموح بكثير عند الحديث عن شراكة إقتصادية حقيقية مسنودة بإنجازات ملموسة على الأرض. وعند تقديم أوراق إعتمادي، رحب فخامة الرئيس يوري كاغوتا ،موسفيني، مشكوراً بهذا التوجة أيما ترحيب وعززه بدعوة الشركات السودانية لخلق شراكات مع نظيراتها اليوغندية، خاصة في تصنيع القهوة (البن) لفائدة البلدين. تقتصر السلع المدرجة في الميزان التجاري بين البلدين على البن (صادرات يوغندية) وقليل من المواد الغذائية صادرات سودانية بما لا يتجاوز المائة مليون دولاراً تقريباً. ويمثل السودان ثاني سوق للصادرات اليوغندية من البن بعد الاتحاد الأوروبي. وبإعمال قدر من ا التركيز والجهد إجمالاً يمكن أن يرتفع الميزان التجاري إلى ملياري دولاراً في حده الأدنى وخمسة مليارات في حدها الأقصى في مدة لا تتجاوز الخمس سنوات من الآن. سيما وأن مجتمع ا لديه ميزات نسبية في عدد من مجالات الإستثمار في يوغندا، على رأسها تركيز الإستثمارات القائمة في مجال القهوة والتصنيع الدوائي بجانب التصنيع الزراعي والقطاع الطبي. وبدرجة مجال التعليم بالإضافة إلى التجارة الحرة. وتظل هذه الأرقام المستهدفة مجرد أمنيات في غياب الفاعلية والريادة، وبذات القدر ضعف مستوى التعاون والتنسيق بين مجتمع الأعمال وبين الدبلوماسية الرسمية ممثلة في سفارة بلادهم، خاصة فيما يلي التعاطي مع التحديات والعقبات الكبرى التي تقف حائلاً دون انسياب حركة التجارة والإستثمار بين السودان ويوغندا. تجدر الإشارة هنا إلى أن القطاع الخاص مجال الأعمال السوداني

هو الذي يباشر النشاط الإستثماري بينما يتعين على القطاع العام وجوباً تسخير كافة السياسات والأسباب التي تمكن شركات وشراكات القطاع الخاص السوداني من تحقيق أكبر قدر من النجاح والإستمرارية. وقناعة منّي بأهمية التواصل المؤسس مع رجال الأعمال شرعت في إجتماعات مع من لبى الدعوة منهم بهدف تكوين آلية محدودة ورشيقة للمتابعة وإقتراح الحلول للمشاكل التي تعترض مجتمع رجال الأعمال السوداني في يوغندا كماً ونوعاً مع العلم بأن هذه الآلية لم تتخلق بعد وذلك رغم أهميتها التي أضحت أكثر إلحاحاً بعد الزيادة الأخيرة لعدد السودانيين في قاعدة توسیع

وجود نوعي

اضطرت الأحداث الجارية في السودان عدداً مقدراً من السودانيين إلى دخول يوغندا براً وجواً. ورغم أن ظروف مغادرة الجميع لمناطقهم بالسودان لم تمكنهم من الإعداد الجيد والمعتاد للعيش خارج الحدود إلا أن هذا الوجود لا يخلو من أصحاب الأفكار الخلاقة والمهن الرفيعة التي وبجهد قليل يمكن أن تتحول إلى فرص من شأنها أن تشكل إضافة نوعية المجتمع رجال الأعمال السوداني بيوغندا، من الخطأ أن نحبس هذه الأفكار والمهن في صندوق الوجود المؤقت” !؟ ودونك الجالية السودانية بالخليج التي يعود تاريخ وجودها إلى الستينيات من القرن الماضي، لكنها لم تتصدر المشهد السببين أحدهما الشعور بالبقاء لبعض الوقت (وقد إستمرت لعقود والآخر التمسك بالوظيفة العامة وعدم التكيف مع التوجه الجديد لدول المنطقة، بتسليم زمام الإقتصاد للقطاع الخاص بنسبة 95%. الصواب بالمقابل (وبلادنا تمر بظرف دقيق يتطلب التفكير (مرتين أن نستثمر لحظة وجودنا الطارئ في الجارة يوغندا بتطبيق قول الشاعر الجليل محمد عثمان عبد الرحيم ” أيها الناسُ نحن من نفر عمروا الأرض حيثما قطنوا “!!.

من التحديات

إن مكمن التفاؤل هنا . أن عدداً . الجاليات التي يشار إليها بالبنان في مجال الإستثمار في يوغندا كان قدومها أيضاً إضطرارياً. ويوغندا من الدول المصدرة للعمالة وبالتالي فإن فرص العمل هنا نادرة إن لم نقل معدومة عليه فإن الخيار الأوحد هو اقتحام مجتمع الأعمال كيفما كانت التحديات الماثلة. وهو أمر ممكن حال توفر الإرادة والإستعداد النفسي. وكذا التعافي من بعض الأمراض كالخوف والتردد والعفوية والعاطفة والخلافات التي لا طائل منها وهدر الوقت والنزوع للعمل الفردي والإستعاضة عن كل ذلك بالشروع في تأسيس شراكات بإدارة صارمة مع توفير المعلومات الدقيقة عن البيئة ومجال العمل ثم التخطيط الذي يُمكّن من بلوغ الأهداف (الأرباح). كذلك من المهم التواصل مع ا الجهات المعنية اليوغندية في هذا الصدد بشكل يمكن من جذب المزيد من الرساميل السودانية المتواجدة في الدول الأخرى. والأخيرة لديها القدرة في الدخول في شراكات ومشاريع أكبر حجماً تمهد الطريق وتعمل على تسريع إندماج الوجود الحالي في مجتمع الأعمال. ومن العوامل التي ستساعد في تحويل الصعوبات الحالية إلى طاقة إيجابية وفرص حقيقية للسودانيين القادمين إلى يوغندا هو تصويب مواقع التواصل الإجتماعي لخدمة الأهداف آنفة الذكر. المهم هو تكثيف المساعي لإضافة فضاء آخر لا يقل أهمية وهو النظر في إمكانية تصديق نادي لتحقيق المزيد من التواصل الإجتماعي والثقافي والإنصهار بين أبناء الجالية السودانية.

مسار التكيف

لاشك أن صوتنا الأعلى الآن هو الدفاع عن كرامة وسيادة السودان لمقاومة أشرس استهداف وجودي تتعرض له الدولة السودانية من قبل قوى إقليمية ودولية متخذة من المليشيا المتمردة مطية لتنفيذ مخطتها، إلا أن ذلك لا يمنع بأي حال من القيام بواجبنا، بـلا مـن، تجاه أبناء السودان المتأثرين بهذه الأحداث. إن مرور أشهر على وصول السودانيين الجدد إلى يوغندا، جعل المعلومات الأساسية عن الإستقرار فيها في متناول الجميع، لتنصرف الهموم في الوقت الراهن نحو مقومات العيش والإستمرار خلال الفترة القادمة. وحتى نتمكن من تجاوز هذا التحدي بصورة جماعية فمن الأوفق أن نشرع فوراً في إعداد سجلات بالسفارة لأرباب المهن وأصحاب المشاريع الإستثمارية الصغيرة والمتوسطة. تلى هذه الخطوة التوافق على آلية تمثل مجتمع الأعمال السوداني القديم والحديث بهدف مباشرة عملية التكيّف. ومن بين مهام الآلية تحديد الأولويات وترتيب الملفات والدراسات حسب المجالات الإستثمار التي لدينا فيها ميزة نسبية ويمكن أن نحقق فيها نجاحات على المدى القصير والمتوسط. وننصح في هذا المجال ببناء شراكات على مستوى كل مجال (مشروع مشترك) بين السودانيين بعضهم البعض أو مع أطراف يوغندية وهكذا تستمر إجتماعات الآلية الدورية لمعالجة المشاكل المستجدة ورعاية أي شراكات جديدة بهدف توسيع قاعدة الإستمثار السوداني في يوغندا، ذلك من خلال اللقاءات والورش المتخصصة والمعارض وغيرها من الوسائل.

رهان الريادة:

إن الطريق ليست مفروشة بالورود في سبيل بلوغ المراد في منطقة واعدة وصاعدة مثل إقليم شرق أفريقيا، حيث تشهد المنطقة حالياً وخاصة يوغندا تدفقات لافتة للإستثمارات من الخارج. وغني عن القول بأن المنطقة تعتبر سوقاً كبيراً به حوالي ثلاثمائة مليون نسمة. عليه لابد من الإلمام الدقيق بطبيعة الملعب ومعايير المنافسة عند الحديث عن الريادة لمجتمع الأعمال السوداني على المدى المعقول. ويتطلب الواقع بالضرورة إزكاء روح العمل الجماعي وإجادة المناورة وتوزيع الأدوار، بجانب الإستفادة من التجارب المماثلة والناجحة. كما يتطلب سرعة التكيف مع سياسات الدولة المضيفة في مجال الإستثمار التي تشجع إجمالاً على التصنيع المحلي. كما أن تنويع الإستثمارات يساعد هو الآخر على إمتصاص آثار تقلب السياسات ومتغيرات السوق المحلي وكلي ثقة إذا خلصت النوايا وتضافرت الجهود خلال الفترة القليلة القادمة فإن مجتمع الأعمال السودانية سيكون من بين المجتماعات الرائدة في مجال الإستثمار في يوغندا والمنطقة وعليه أراهن !!.

السفير / أحمد إبراهيم

سفير السودان لدى جمهورية أوغندا

27 سبتمبر 2023

مشاركة الخبر

مشاركة الخبر

قد يعجبك أيضاً