مقدمة
لطالما ظلّ شعار “لا للحرب” يتردّد في فضاء السودان منذ ايام الحرب الأولى، شعارٌ يبدو إنسانيًا في جوهره، لكنه ظلّ قاصرًا في مضمونه ومحدودًا في أثره. فالشعار، رغم صدقه من حيث المبدأ، لم يتمكّن من حماية بريء، أو إنقاذ طفل، أو منع جريمة قتل واحدة منذ أن تصاعدت المأساة السودانية في 15 ابريل 2023. ولعلّ ما يجعل هذا الشعار ناقصًا هو تجاهله الجانب الآخر من المعادلة: المليشيا. فالحرب ليست فقط مواجهة بين جيوش، بل هي أيضًا صراع بين مشروع دولة ومشروع فوضى، بين جيش وطني ومليشيا خارجة عن القانون، بين مؤسسات سيادية ومصالح إقليمية تسعى لتفكيك الدولة السودانية واستثمار معاناة شعبها.
منذ العام 2013، بدأت ملامح الخطر تظهر بوضوح مع صعود مليشيا “الدعم السريع”، وهي كيان عسكري غير منضبط نشأ في الأصل من بقايا قوات الجنجويد التي عُرفت بسجلها الحافل بالانتهاكات في دارفور. هذه المليشيا، التي وُلدت من رحم الحرب، تحوّلت تدريجيًا إلى أداة سياسية واقتصادية، تمتلك النفوذ والسلاح والمال، وتعمل بمعزل عن الدولة، بل أحيانًا ضدّها. فكيف يمكن إذن لشعار “لا للحرب” أن يُنتج سلامًا في ظلّ وجود مليشيا مسلّحة تمارس القتل والترويع باسم السلطة أو بدعمٍ خارجي؟
من جذور الأزمة إلى لحظة الانفجار
إنّ فهم مأساة السودان الراهنة يقتضي النظر في جذورها التاريخية والسياسية. فمنذ الاستقلال عام 1956، عانى السودان من خللٍ بنيوي في إدارة الدولة، وغياب رؤية شاملة لبناء دولة العدالة والمواطنة. ومع كل انقلابٍ عسكري كانت البلاد تنحدر أكثر نحو الفوضى، حتى تحوّل العنف إلى أداة سياسية مألوفة.
لكنّ التحوّل الأخطر جاء مع ميلاد مليشيا “الدعم السريع”. فبدلًا من أن يكون الجيش هو الجهة الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح، جرى خلق كيان موازٍ يبرّر وجوده بمكافحة التمرد في دارفور، ثم توسّع دوره تدريجيًا ليصبح قوةً قائمة بذاتها، تمتلك التمويل الخاص والولاءات العابرة للمؤسسات. منذ تلك اللحظة، بدأ ميزان القوة داخل السودان يتصدّع، وأصبحت الدولة مهددة من داخلها.
لقد كان سلوك المليشيا منذ العام 2013 سلوكًا متّسقًا في جوهره: انتهاك ممنهج لحقوق المدنيين، عمليات قتل ونهب، واعتقالات تعسفية، وفرض واقعٍ ميداني بالقوة. ومع كل تجاوز، كانت مؤسسات الدولة تتراجع خطوةً إلى الوراء، حتى وصل الأمر إلى حدّ أن أصبحت المليشيا شريكًا رسميًا في السلطة عقب ثورة ديسمبر عام 2019.
ثورة 2019 : بين الأمل والانكسار
عندما خرج السودانيون إلى الشوارع في ديسمبر 2018، كان حلمهم واضحًا : الحرية، السلام، والعدالة. كان الشعار المركزي للثورة يعكس تطلعًا جماعيًا نحو دولة مدنية حديثة. غير أنّ هذا الحلم اصطدم سريعًا بواقعٍ مؤلم : جاء الحدث المفصلي في يونيو 2019، عندما قامت قوات الدعم السريع بفضّ اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، في جريمةٍ هزّت الضمير الإنساني داخل السودان وخارجه. مئات القتلى والمفقودين، ومشاهد العنف الوحشي التي وثّقتها الكاميرات والناجون، كانت كفيلة بتأكيد ما ظلّ يردّده الشارع : أن لا سلام ولا انتقال ديمقراطي ممكن في ظلّ وجود مليشيا منفلتة تحمل السلاح خارج القانون.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” ليس مجرد مطلب سياسي، بل قاعدة لبناء الدولة المنشودة. غير أنّ القوى المدنية لم تتمكن من فرض هذا الشرط، فدخلت البلاد في مرحلة انتقالية هشة انتهت بانفجار الحرب مجددًا في أبريل 2023.
حرب أبريل 2023 : صراع الدولة والمليشيا
مع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، اتضح أن مليشيا الدعم السريع لم تكن قوة وطنية بأي معنى من المعاني. بل تحوّلت إلى أداة إقليمية تستخدمها بعض الأطراف الخارجية لتصفية حساباتها مع السودان ومؤسساته. فبدلًا من أن تنحاز إلى مصلحة البلاد، انخرطت المليشيا في مشروع تخريبي يستهدف البنية التحتية، ويقوّض سلطة الدولة المركزية، ويزرع الفتنة بين مكونات المجتمع.
حين انسحبت القوات المسلحة السودانية من ولايات مثل غرب دارفور والجزيرة وسنار والنيل الأبيض، كان ذلك تطبيقًا واقعيًا لشعار “لا للحرب”، أو على الأقل محاولة لتجنب مواجهة مدمّرة في المناطق المدنية. غير أن ما حدث لم يكن سلامًا، بل كارثة إنسانية بكل المقاييس. فقد قامت المليشيا بعمليات تصفية عرقية ممنهجة ضد المدنيين العزّل، ونهبت ممتلكاتهم، واغتصبت النساء، وشرّدت آلاف الأسر، في مشاهد استحضرت أبشع فصول التاريخ الحديث في رواندا والبوسنة.
لقد تجاوزت فظائع المليشيا في دارفور والفاشر حدود الخيال، حتى أصدرت منظمات حقوق الإنسان العالمية إداناتٍ صريحة ضدها، مؤكدة أن ما يجري يمكن أن يصنّف كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، ظلّ بعض الخطاب السياسي في الداخل والخارج يروّج لفكرة الحلّ السلمي مع المليشيا، وكأنّ الجلاد يمكن أن يتحوّل فجأة إلى شريك في بناء السلام.
“لا للحرب… ولا للمليشيا”
في ظلّ هذه الوقائع، بات من الضروري تصحيح المفهوم السائد حول شعار “لا للحرب”. فالسلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل يتحقق حين تُستعاد سيادة الدولة على كامل ترابها، وحين يُسحب السلاح من أيدي المليشيات، وحين يُحاسب من ارتكب الجرائم باسم أي جهة كانت. لذا فإن الشعار المتكامل الذي يجب أن يُرفع اليوم هو: “لا للحرب… ولا للمليشيا”.
التمسك بهذا الشعار يعني رفض منطق القوة، ورفض عسكرة السياسة، ورفض مكافأة المجرمين بمناصب في الدولة. لقد جُرّب هذا النهج مرارًا في السودان، من اتفاقية نيفاشا عام 2005 إلى أبوجا 2008، ثم جوبا 2020. وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: تعزيز ثقافة التمرد على الدولة، وتقويض فكرة المواطنة المتساوية.
إنّ السلام الذي يقوم على التسويات الهشّة مع المتمردين والمليشيات هو سلام زائف، لأنه يزرع بذور الحرب المقبلة. فكيف يمكن لمواطن فقد أسرته أو اُغتصبت ابنته أو نُهبت قريته أن يثق في دولة تمنح القاتل عفوًا سياسيًا وكرسيًّا في السلطة؟ العدالة ليست ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لأي سلام دائم.
الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة
لا يمكن فصل ما يجري في السودان عن السياق الإقليمي المعقد والهش في منطقة القرن الإفريقي والذى تستغله دولة لا تريد خيرا للسودان واهله. فهذه المنطقة تشهد منذ عقود تنافسًا محمومًا بين قوى إقليمية ودولية، تسعى كل منها لتحقيق مصالحها عبر وكلاء محليين. ومن المؤسف أن مليشيا الدعم السريع تحوّلت إلى إحدى أدوات هذا الصراع، مدعومةً بالمال والسلاح من أطرافٍ ترى في ضعف الدولة السودانية فرصةً لتوسيع نفوذها.
إنّ تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي لا يخدم سوى أعداء الاستقرار في المنطقة. فبلدٌ بحجم السودان، يمتلك موقعًا استراتيجيًا وثرواتٍ طبيعية هائلة، لا يمكن أن يكون أداة بيد الآخرين. ومن هنا تأتي أهمية استعادة القرار الوطني المستقل، وبناء جيشٍ موحّد، يعبّر عن كل السودانيين لا عن فئة أو قبيلة.
كما أن المجتمع الدولي يتحمل جانبًا من المسؤولية، إذ إنّ مواقفه المترددة وغضّ الطرف عن الانتهاكات شجّعت المليشيا على المضيّ في جرائمها. فبدلًا من فرض عقوبات حقيقية على قادة الدعم السريع وداعميها الاقليميين، اكتفى العالم بالتصريحات الدبلوماسية . وهذا التهاون ساهم في إطالة أمد الحرب، وزاد من معاناة المدنيين.
الآثار الإنسانية والاجتماعية للحرب
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 خلّفت مأساة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تجاوز عدد النازحين داخليًا والمهاجرين إلى دول الجوار 14.5 مليون إنسان، وهو رقم مهول يعكس حجم الكارثة. المدن التي كانت نابضة بالحياة تحوّلت إلى أطلال، والمزارع التي كانت تغذّي البلاد أصبحت ساحات قتال.
لم تقتصر الخسائر على الأرواح والممتلكات، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي نفسه. إذ خلقت الحرب شرخًا عميقًا بين المكونات القبلية والمناطقية، بعدما استُخدمت الهويات الإثنية كأدوات للتحريض والتعبئة. في دارفور، على وجه الخصوص، أعادت المليشيا إنتاج خطاب الكراهية القديم، مستهدفة جماعات بعينها بالتصفية والتهجير، في تكرار مأساوي لجرائم العقد الأول من الألفية.
وفي المقابل، برزت مبادرات مدنية وإنسانية من داخل المجتمع السوداني، حيث أظهر الناس تماسكًا مذهلًا رغم الدمار. لجان المقاومة، والمنظمات التطوعية، وشباب الأحياء، أصبحوا خط الدفاع الأول عن المجتمع في ظل ضعف مؤسسات الدولة وغياب المجتمع الدولى. هذه الروح التضامنية هي ما يمنح الأمل في إمكانية إعادة بناء السودان، رغم كل الألم.
الطريق إلى سلامٍ دائم ودولة ديمقراطية
إنّ أي مشروع لبناء السلام في السودان يجب أن يبدأ من قاعدة واضحة: لا مكان للمليشيات في مستقبل البلاد. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على تعدّد مراكز القوة، ولا على ازدواجية الولاءات. يجب أن يُعاد بناء الجيش الوطني على أسس مهنية ووطنية، وأن تُدمج أو تُحلّ جميع التشكيلات المسلحة وفق قانونٍ القوات النظامية يضمن الحقوق ولا يساوم على العدالة.
كما يجب أن يكون السلام القادم سلامًا شاملًا، لا صفقة بين نخبة وأخرى. السلام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بمعاناة الضحايا، وتعويضهم، ومحاسبة من تورّط في الجرائم. العدالة الانتقالية ليست مجرد شعار، بل هي حجر الأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.
وفي الجانب السياسي، لا بد من استعادة المسار الديمقراطي، عبر انتخابات حرّة بعد استقرار الأوضاع الأمنية، وتأسيس دستور دائم يكرّس مبدأ الفصل بين السلطات، ويحدّ من تدخل الأحزاب السياسية فى المؤسسة العسكرية .
خاتمة
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الشعارات وحدها لا تصنع التغيير. فشعار “لا للحرب” دون “لا للمليشيا” هو نصف حقيقة، لأن الحرب ليست سوى نتيجة لوجود مليشيا خارجة عن سيطرة الدولة. إنّ السلام لا يتحقق بالتمنيات، بل بالإرادة السياسية والعدالة والمحاسبة، وبترسيخ مبدأ احتكار الدولة للسلاح.
إنّ تمسّكنا اليوم بشعار “لا للحرب… ولا للمليشيا” هو تعبير عن إيماننا بأن السودان لا يُبنى إلا على قاعدة الدولة الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات، لا دولة الأفراد والولاءات. هو نداء من أجل أن يتوقف النزيف، لا عبر استسلامٍ للواقع، بل عبر مقاومة جذوره.
إنّ السلام الذي نسعى إليه ليس سلام الصمت، بل سلام العدالة، سلام الحرية والكرامة، سلامٌ لا يُكافأ فيه المجرم ولا يُنسى فيه الضحية.
هذا هو الطريق الوحيد نحو وطنٍ يستحق أن نحلم به من جديد.
أمية يوسف حسن أبوفداية
باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي
6 نوفمبر 2025