أوغندا بالعربي-متابعات _بقلم :الهضيبي يس
تتجدد طموحات كينيا لتصبح القوة الإقليمية القائدة والمحورية في منطقة شرق أفريقيا خلال المرحلة المقبلة، مستغلة ما تتمتع به من مقومات متنوعة تؤهلها للعب هذا الدور، وبيئة تفاعلات إقليمية تشهد تحولات استراتيجية حاسمة ربما تسهم في إعادة تشكيل الترتيبات الإقليمية بالمنطقة خلال الفترة المقبلة، من أبرزها التراجع الإثيوبي في المنطقة بسبب حرب تيجراي التي اندلعت منذ نوفمبر 2020، والأزمات الدولية التي تستمر تأثيراتها على اقتصادات دول شرق أفريقيا حتى هذه اللحظة. ناهيك عن المساعي الأمريكية لإعادة هندسة المنطقة في ضوء الاستراتيجية الجديدة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه أفريقيا التي أطلقتها في أغسطس 2022 بهدف التصدي للنفوذين الصيني والروسي المتصاعدين في أفريقيا بشكل عام وشرق أفريقيا بشكل خاص.ويتزامن ذلك مع بعض التغيرات والتطورات التي طرأت على المشهد السياسي الكيني والمتمثلة في صعود الرئيس الكيني الجديد ويليام روتو إلى السلطة عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت في أغسطس 2022. والذي حدد رؤيته للسياسة الخارجية الكينية خلال الفترة المقبلة بالتركيز على الدائرة الأفريقية وإعطاء الأولوية للدور الكيني في المنظمات الإقليمية الأفريقية بهدف تعزيز حضورها ونفوذها على الصعيدين الإقليمي والقاري، وهو ما يبرر الانخراط الكيني في عدد من الملفات والقضايا الاستراتيجية في المنطقة خلال الفترة الراهنة مثل الأزمة الإثيوبية وأزمة شرق الكونغو الديمقراطية.فمن المتوقع أن تواجه كينيا المزيد من المقاومة من جانب بعض دول المنطقة للحيلولة دون تنامي الدور الكيني على حساب طموحاتها الإقليمية وعلى رأسها إثيوبيا ورواندا وأوغندا، الأمر الذي يمكننا من طرح تساؤل حول مستقبل التنافس الإقليمي في شرق أفريقيا خلال الفترة المقبلة.ويقول الباحث في منطقة شرق أفريقيا عبدالمولي العطا، أن كينيا تسعى إلى الزعامةالإقليمية في شرق أفريقيا في ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة قد تكون مواتية لنيْل هذه المكانة الإقليمية ولعب دور إقليمي رئيسي في المنطقة بعدما تراجع طوال السنوات الماضية لصالح إثيوبيا التي تشهد حاليًّا سياقًا مضطربًا سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا منذ اندلاع الحرب التي دارت رحاها في إقليم تيجراي شمالي البلاد في نوفمبر 2020، وهو ما جدد الطموح الكيني لتعزيز مكانتها في الإقليم.وعلية فان الاستقرار الإقليمي في المنطقة تجد حرص نيروبي على أن تتواجد وسط محيط إقليمي مستقر أمنيًّا وسياسيًّا نظرًا لتأثرها المباشر بالاضطرابات والصراعات في ظل التداخل القبلي والجوار المباشر في بعض الأحيان مثل الصومال.ويذهب عبدالمولي – وفي ضوء مساعيها إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، وتوسيع تجارتها مع دول الجوار الإقليمي؛ وهو ما يبرر انخراطها في عدد من الأزمات الإقليمية بالمنطقة مثل الأزمة الصومالية والأزمة الإثيوبية وأزمة شرق الكونغو الديمقراطية.فهي الان تمثل بوابة المنطقة إلى العالم الخارجي تسعى كينيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دول الشرق الأفريقي، وأن تكون نقطة اتصال مهمة بين العالم الخارجي وشرق أفريقيا بما في ذلك العمق الأفريقي في البحيرات العظمى ووسط أفريقيا.إضافة إلى توسيع دورها كمرتكز إقليمي محوري لنقل البضائع من وإلى دول شرق أفريقيا. وذلك من خلال تطوير موانئها البحرية لتكون بوابة الدول الحبيسة بالمنطقة للمياه الدافئة مثل ميناء لامو الذي يعد جزءًا رئيسيًّا من مشروع لابسيت LAPSSET الرابط بين كينيا وبعض دول المنطقة مثل إثيوبيا وجنوب السودان وجنوب السودان.ويزيد عبدالمولي – إلى ان ميناء مومباسا الجاري تطويره لاستيعاب حركة التجارة الإقليمية واحتياجات بعض دول البحيرات العظمى الحبيسة مثل أوغندا ورواندا وبوروندي، لا سيما أن كينيا تمثل عنصرًا رئيسيًّا في المنطقة بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق التي أعلنت عنها الصين في سبتمبر 2013، مما قد يعزز الدوافع الكينية لتعزيز نفوذها الاقتصادي في شرق أفريقيا.خاصة وان التصدي للمهددات الأمنية الإقليمية فتخشي( نيروبي) من تفاقم الأوضاع الأمنية في محيطها الإقليمي، في ضوء مخاوفها من تأثير نظرية الدومينو الذي يجعلها عرضة للمزيد من الهجمات الإرهابية كما هو الحال في الصومال التي تنشط فيها حركة شباب المجاهدين وتتمدد تهديداتها لتطال الداخل الكيني على مدار السنوات الماضية، وهو ما يبرر مشاركة قواتها ضمن بعثة “أتميص” التابعة للاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال.فقد شكلت الحرب الإثيوبية في إقليم (تيقراي) تحديًّا أمنيًّا بالنسبة لكينيا خوفًا من تمدد التهديدات الأمنية إلى العمق الداخلي.ويشير المحلل الاقتصادي والسياسي الوليد علي- بأن كينيا باتت تلعب دور بارز في الاتحاد الأفريقي فهي تدرك أن توسيع تحركاتها داخل أروقة الاتحاد الأفريقي من شأنه تعزيز الدور الكيني الإقليمي في المنطقة وأفريقيا بشكل عام، وهو ما قد يعززه اختيار كينيا رئيسًا للاتحاد الأفريقي خلال عام 2023 خلفًا للسنغال بما يسمح لها بالانخراط بشكل أكبر في القضايا الأفريقية. كما سيعزز المكانة الكينية في المجتمع الدولي باعتبارها أحد الأصوات التي تمثل القارة الأفريقية في المحافل الدولية وتدافع عن قضاياها.ويصف وليد ( كينيا) بانها اضحت شرطي الغرب في إقليم شرق أفريقيا، حيث أن مسعاها للزعامة الإقليمية في المنطقة هو بمثابة خطوة أولى لتقديم صورة للغرب على أنها لاعب رئيسي في شرق أفريقيا وحليف قوي يمكن للقوى الدولية الفاعلة مثل الولايات المتحدة الأمريكية الوثوق به والاعتماد عليه في عدد من الملفات وخاصة مجال مكافحة الإرهاب في شرق أفريقيا.لافت إلى ظهور عده محفزات من شأنها أن تعزز المساعي الكينية للعب دور إقليمي قائد في منطقة شرق أفريقيا. منها توافر الإرادة السياسية حيث يبدو أن الساسة الجدد في كينيا سوف يسعون إلى صقل السياسة الخارجية الكينية بهدف تعزيز دورها الإقليمي ومشاركتها في إدارة الشئون الإقليمية، وذلك من خلال تطوير أجندة واضحة للتحركات الإقليمية والدولية التي من شأنها تحقيق التوازن بين المصالح الكينية والمصالح الدولية في شرق أفريقيا، وهو ما يتوافق مع رؤية الرئيس روتو للسياسة الخارجية الكينية خلال فترة ولايته الأولى. ويمثل ذلك امتدادًا لسياسة الرئيس السابق أوهورو كينياتا خلال فترة ولايته التي استمرت نحو تسع سنوات، حيث أطلقت حكومته عقب توليه السلطة في عام 2013 وثيقة للسياسة الخارجية الكينية التي تحدد العلاقات الدبلوماسية والعلاقات الخارجية لكينيا، وهي أول وثيقة مكتوبة تخص السياسة الخارجية للبلاد منذ نيل الاستقلال، وهي تهدف بالأساس إلى توسيع التعاون الإقليمي والقاري، وتعزيز المصالح الاقتصادية الكينية، وإحياء الوحدة الأفريقية، حتى وإن أخفق كينياتا في خلق توازن إقليمي ودولي يعزز به الدور الكيني في المنطقة خلال سنوات حكمه بسبب تهميشه للعلاقات مع الغرب بسبب الاتهامات الغربية التي وجهت له في قضايا العنف أمام المحكمة الجنائية الدولية. منوها الى ان تعافي الاقتصاد الكيني عززمن القوة الاقتصادية المدفوعة الان في منطقة شرق أفريقيا، حيث تمتلك اقتصادًا قائمًا على السوق كما أنها النموذج الاقتصادي الأكثر ليبرالية في المنطقة، وهو ما يعزز الكفاءة الاقتصادية والمنافسة وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في البلاد. إذ تعد كينيا واحدة من أسرع الاقتصادات نموًّا في أفريقيا جنوب الصحراء، وهي ضمن المراكز الثلاثة الأولى في سهولة ممارسة الأعمال والابتكار. فقد بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي في كينيا أكثر من 5% خلال العقد الماضي، ومنذ عام 2014 صُنفت كينيا على أنها دولة ذات دخل متوسط منخفض. مع العلم أن الاقتصاد الكيني اصبح محوريًّا داخل جماعة شرق أفريقيا، فهو الاقتصاد الأكبر والأكثر ديناميكية من بين الدول الأعضاء فهو مرتبط بشكل أفضل باقتصادات دول المنطقة من حيث تدفقات الاستثمار والتجارة، فهناك شركات كينية تعمل في بعض دول الإقليم مثل بنك كينيا التجاري وبنك الأسهم ومجموعة نيشان ميديا. فقد أصبحت كينيا تمثل المصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي المباشر لدول الجوار الإقليمي، وهي تعد وجهة استثمارية جاذبة بحيث أضحت ثاني أكبر مستفيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المنطقة بإجمالي 14.4 مليار دولار في عام 2018. متوقعا أن يظل اقتصاد كينيا قويًّا بفضل قاعدة رأس المال البشري الأكثر تقدمًا، وكونه الاقتصاد الأكثر تنوعًا، فضلًا عن كون كينيا رائدًا في ثورة الاتصالات المعلوماتية في شرق أفريقيا. كما تعتمد الهيمنة الاقتصادية الإقليمية لكينيا إلى قطاع خاص قوي تطور في ظل سياسات رشيدة. فضلًا عن تمتع كينيا بدرجة كبيرة من الاستقرار السياسي نسبيًّا، فهي لم تشهد تحولات حاسمة في مسار العملية السياسية خلال السنوات الأخيرة، في الوقت الذي تشهد فيه بعض دول المنطقة حالة من الاضطراب السياسي والأمني مثل إثيوبيا والصومال والسودان.كما تمتلك كينيا رؤية وطنية استراتيجية تهدف إلى تحويل البلاد إلى دولة صناعية حديثة ومتوسطة الدخل بحلول عام 2030. وهي تستند في ذلك على عده مسائل منها السياسية والتي ترتبط بالحفاظ على وحدة الأمة الكينية، واستمرار نظام ديمقراطي في السلطة. بينما المعطيات الاقتصادية التي تسعى للحفاظ على النمو واستدامته بنسبة 10% سنويًّا لمدة 25 عامًا. كذلك الركيزة الاجتماعية التي تحرص على الاستثمار في رأس المال البشري من أجل تحسين نوعية الحياة في مختلف المجالات مثل التعليم والصحة والمسكن. وقد استمر الاقتصاد الكيني في التعافي من آثار جائحة كوفيد-19 في عام 2022 مع زيادة الإنتاج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6% سنويًّا خلال النصف الأول من عام 2022، قبل أن يتضاءل هذا الانتعاش بسبب تأثير الأزمات العالمية التي أثرت على سلاسل التوريد وأسعار السلع الغذائية، وهو ما دفع البنك المركزي الكيني إلى رفع سعر الفائدة ثلاث مرات منذ مايو 2022 بمقدار 175 نقطة أساس لتصل إلى 8.75% وذلك استجابة لضغوط التضخم.ومع ذلك، تبدو التقديرات المستقبلية إيجابية بالنسبة للنمو الاقتصادي( الكيني) على المدى المتوسط، فمن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.2% في المتوسط خلال الفترة بين عامي 2023 و2024 بالرغم من الصدمات العالمية الراهنةويذكز الوليد-بان المحيط الإقليمي المضطرب: بمقدور كينيا الاستفادة من اضطراب الوضع الراهن في بعض دول شرق أفريقيا، خاصة أن نيروبي بات يُنظر إليها على أنها فاعل إقليمي مؤثر في المنطقة، وشريك محتمل في منطقة مضطربة.إذ تعيش كينيا وسط سياق إقليمي مضطرب ومعقد سياسيًّا وأمنيًّا، واقتصاديا حيث تواجه شرق أفريقيا بما في ذلك القرن الأفريقي والبحيرات العظمى العديد من التحديات التي تؤثر على الأمن والاستقرار والتنمية.