![]()
أوغندا بالعربي- المجلة الاقتصادية العربية

مقدمة:
عبد الرحيم جبر الدار، إنسان عفوي نال بقدر ما يملكه من طيبة الداخل وصفاء القلب. بابتساماته الدافئة وكلماته الودودة وكرمه الفياض، استقبلنا في مكتبه العامر والرحب..
في زحام الحياة وتحدياتها، قد يظن البعض أن النجاح سهل المنال، لكن رجل الأعمال السوداني عبد الرحيم جبر الدار، الشهير بـ “جبير” – وهو اسم عائلة كردفانية عريقة – كسر هذه القاعدة وكتب قصة نجاح ملهمة. قصة بدأت من لا شيء، متسلحة بالإرادة، الصبر، والإيمان، لتثبت أن النجاح ليس بعيدًا على من يسعى إليه بجد.
من أراضي كردفان الزراعية التي أحبها زراعةً ورعيًا، تشكلت ملامح حياته الأولى، ومنها انطلق نحو عالم التجارة حتى أصبح صاحب واحدة من أشهر العلامات التجارية في صناعة القهوة في أوغندا، شاهدًا حيًا على أن العظمة لا تولد، بل تُصنع بالعمل والمثابرة.
…………………………………………
حوار: د.بدرالدين خلف الله – تصوير أشرف محمد
عرفنا عن نفسك؟
اسمي عبد الرحيم جبر الدار، وُلدت في 17 نوفمبر 1970 بمدينة أم روابة، ولاية شمال كردفان، السودان. نشأت في إقليم شمال كردفان بمنطقة أم روابة التي تشتهر بطبيعة كردفان الزراعية وكثرة المراعي. والدي كان يعمل في الزراعة ورعي المواشي، وكانت الزراعة هي العمود الفقري لحياتنا.
درست في مدينة أم روابة الثانوية، ثم التحقت بجامعة الإسكندرية في كلية التجارة قسم إدارة الأعمال وتخرجت عام 1991. بعد التخرج، بدأت حياتي العملية بالسفر إلى العراق حيث عملت محاسباً في شركة سودانية إماراتية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقلت إلى الإمارات وعملت هناك عامين، وبعدها عدت إلى السودان وبدأت أعمالاً تجارية لم تستمر أكثر من سنة.
بعد ذلك، ذهبت إلى السعودية وعملت في شركة مختصة بجلب العمالة، اشتغلت كمترجم وزرت شرق أفريقيا لجلب العمالة، وهنا بدأت معرفتي بأوغندا.

صف لنا الحياة في أم روابة وأول المهن التي اشتغلتها؟
نشأت في بيئة طبيعية حيث كانت مساعدة الأسرة في العمل أمرًا معتادًا. المجال المتاح كان الزراعة والرعي، وعملت في تجارة المواشي مساعدة للوالد. كان عندنا دكان محاصيل في أم روابة، وهذا كان سبب معرفتي المبكرة بالتجارة.
طغى اسم “جبير” على اسمي وهو تصغير لجبر الدار، لأن الأجداد يحملون نفس الاسم. كل هذه الأعمال كانت في فترة الإجازات، وليس لدي فترة عمل رسمية في السودان. أم روابة معروفة بإنتاج الفول والسمسم والصمغ العربي، وموسم الحصاد كان من أجمل المواسم، يرافقه احتفالات وزواج ومناسبات تعزز الترابط الاجتماعي وتحسن الوضع المالي.
كيف تعرفت على أوغندا؟ وما كانت نظرتك الأولى لها؟
جئت إلى شرق أفريقيا للعمل في مجال استجلاب العمالة، وكانت المنطقة مقسمة إلى ثلاث دول: تنزانيا، كينيا، ثم أوغندا. عند زيارتي لأوغندا وجدت طبيعة جميلة وتعامل الناس طيب ومتسامح، فكونت فكرة أنني أستطيع أن أعيش هناك بسلام. لم يكن قرار الاستقرار ارتجاليًا، فقد كان من المفترض أن أبقى شهرًا، ولكن في الأيام الأخيرة قمت بجولة سياحية وقررت الاستقرار هناك بداية 2005.
كان عدد السودانيين في أوغندا قليلًا جداً لا يتجاوز المئة، أغلبهم رجال أعمال في مجال المحاصيل الزراعية. بعد فترة قصيرة رجعت إلى السعودية ثم عدت إلى أوغندا وأصبحت موجودًا هناك منذ ذلك الوقت.
ما هي التحديات التي واجهتك في فترة التكوين والعمل؟
بحكم أن خلفيتي التجارية كانت ضعيفة، حاولت العمل في تجارة المحاصيل ولم أوفق في البداية، فعدت للعمل كموظف محاسب مع رجل أعمال سوداني لمدة سنة. لكن هدفي كان النجاح في التجارة، فبدأت بجني رأس مال صغير من عملي كموظف ثم تحولت لتاجر.
في عام 2009، أثناء رحلتي إلى غرب أوغندا، اكتشفت أن هناك زراعة كبيرة للقهوة، وهذا دفعني لدخول هذا المجال لأنه من أنجح المشاريع.
بعد استقرارك في أوغندا، ما هي الصعوبات التي واجهتك؟
واجهتنا صعوبات كثيرة منها اختلاف اللغة والعادات والتقاليد. في شمال أوغندا، كان بعض السودانيين يتعاملون بلغات محلية عند شراء المحاصيل. الثقافة الغذائية والعادات تختلف كثيرًا عن الثقافة العربية، لكن بالعزيمة والإصرار استطعت تجاوز هذه الصعوبات.
كنت أحلم بتحقيق هدفين: الأول هو الاستقرار في أوغندا، وقد تحقق الحمد لله، والثاني هو الوصول إلى مستوى رجال الأعمال الناجحين هناك، رغم أنهم سبقونا بعشرات السنين. بدأت من الصفر، وكانت الدراسة مختلفة تمامًا عن التطبيق العملي، والتعامل مع المزارعين والمواطنين مختلف، والتجارة فيها تفاصيل كثيرة.
بداية عملك في مجال القهوة؟
كما ذكرت سابقًا، أثناء رحلتي لغرب أوغندا لاحظت أن تجارة القهوة من أنجح التجارات هناك. جلست في تلك المناطق وبدأت أتعامل في المجال، ووجدت أن القهوة تحتوي على مواد ثابتة وقيمة عالية، وتتميز بسهولة التسويق مقارنة بالمحاصيل الأخرى التي قد تدخل في تكاليف كبيرة.
بدأت أشتري كميات بسيطة من المزارعين وأبيعها للقشارات (المعاصر)، ولم أواجه تحديات كبيرة لأنني كنت أشتغل من قرية لأخرى. بعدها توفقت بشراء 3 إلى 4 أطنان وأتجهت إلى كمبالا، وكانت فترة صعبة لأن السوق في كمبالا فيه شروط ومقاييس دقيقة تختلف عن القرى، وهذا كان التحدي الأكبر لي.
ما زالت مشكلة قياس الرطوبة تشكل عائقًا للتجار الجدد، حيث إن الرطوبة تؤثر بشكل كبير على جودة البن أثناء التخزين والنقل، لذلك أنصح بشراء جهاز قياس الرطوبة.
ماهي مشكلة الرطوبة في البن؟
مشكلة الرطوبة أنه عندما تأخذ حبوب البن من المزارع، تكون مغلفة بقشرة تحميها، ولكن عند إزالة هذه القشرة، تصبح الحبوب معرضة لتأثيرات الجو الخارجي. إذا لم يكن التخزين جيدًا، فإن الرطوبة في الجو تؤثر على القهوة فتجعلها طرية أو “لينة”، وهذا اللين يمكن أن يتبخر جزء كبير منه مع الوقت، مما يؤثر على جودة البن بشكل سلبي.
ماهي المحطات التي لا ينساها “جبير”؟
أتذكر مدينة ليرة كبداية لتجربتي في التجارة، حيث تعلمت كيف أوزن المحاصيل وأهمية التعامل مع أهل القرى الذين يتميزون بالطيبة وحسن الضيافة.
من الناس الذين تركوا أثراً طيباً في حياتي كانت مدام روز، التي وقفت بجانبنا كثيرًا وعلمتنا الكثير، وكانت ترحب بالأجانب. كذلك إخواننا السودانيين علي جنكيز وعبد الكريم رحمهما الله، الذين كان لديهم قنوات تصدير للخارج.
كذلك شيخ إبراهيم ويونس، الذي كان جيرتي في العمل، ورجل يتمتع بسعة علم وترحاب كبيرين.
كما لا أنسى الأخ جوزيف موغانبو، أحد كبار تجار السمسم، الذي كان دقيقًا في الجودة ولكنه كريم ويساعد التجار بإعطائهم رأس مال.

إذا لم يكن “جبير” تاجرًا؟
بالصراحة، درست التجارة لأصل لأفضل مستوى، لكن في النهاية أرى نفسي تاجرًا فقط. أحببت مجال القهوة كثيرًا، رغم أنني لم أكن أستفيد مادياً في البداية، لكن الإصرار على الاستمرار كان أهم.
لم أكن متوقعًا أن أنجح مادياً، لكن كان عندي هدف أن أصل إلى شيء كبير، وكنت مصممًا على النجاح. من الطريف أنني لا أشرب القهوة! لكن قرأت كثيرًا عنها، وهي مجال واسع دخل في صناعات كثيرة وأصبحت لها أنواع متعددة.
بداية تأسيس الشركة ونجاحكم ؟
بدأنا شركة “جبير كوفي” كمستثمرين عام 2021، بنهاية السنة استحوذنا على المصنع. واجهنا تحديات كبيرة منها أن المصنع كان قديمًا ويحتاج لتجديد المكنات، هيكلة الإدارة، وتدريب العاملين.
تغلبنا على هذه التحديات، واجتزنا إلى المركز الثالث من حيث شركات القهوة في أوغندا من أصل مئة ونيف ورفعنا قدرة الإنتاج من 70 طنًا إلى 200 طن يوميًا، ونطمح للوصول إلى 300-350 طن.
أما التسويق داخل وخارج أوغندا، فكان تحديًا كبيرًا لفتح أسواق في أوروبا، آسيا، والشرق الأوسط، خاصة مع تدهور السوق السوداني. لكن بفضل الله والجهود الكبيرة، كنت أسافر أكثر من 25 يومًا في الشهر خارج أوغندا للبحث عن أسواق وشركاء.
نجحنا في الحصول على شهادة الآيزو الأوروبية، كأول شركة في أوغندا تحصل عليها، بعد إجراءات طويلة تضمنت تسجيل أكثر من 36 ألف مزارع بمواقعهم.
الجوائز والإنجازات؟
حصلنا على عدة جوائز من ماليزيا، كما نالنا شهادة الآيزو الصينية، ونحن من أسرع الشركات نمواً في أوغندا، حيث وصلنا لتصدير 4000 طن شهريًا.
ماهو تكريم الدولة لكم؟
الرئيس الأوغندي أشاد بنا وكرمنا ضمن أهم 10 شركات في أوغندا، حيث احتلينا المركز الخامس على مستوى الدولة التي تعتبر الأولى في أفريقيا في تصدير القهوة.
شاركنا في أكثر من 6 مؤتمرات دولية، آخرها مؤتمر سبتمبر 2024 في لندن، حيث حظي البن الأوغندي باستحسان وسمعة طيبة بين الشركات العالمية.
رسالة أخيرة
أتمنى لكل سوداني في أوغندا أن يرى نفسه سفيرًا للسودان ويعكس الوجه الحقيقي للبساطة والأخلاق.
أنصح الجميع بالبدء في مجال التجارة لأنها مربحة وناجحة، والاقتصاد هناك مستقر.
نشكر الإخوة الأوغنديين على استضافتهم وتعاملهم الراقي معنا، حكومة وشعبًا.
أما زملائي، فنحن بدأنا من الصفر ونسعى للوصول إلى المليون، وأتمنى أن نستمر معًا ونحقق المزيد من النجاح ونضافر الجهود، وشاكر لهم مجهوداتهم الجبارة في إنجاح هذا العمل.
المجلة الاقتصادية العربية في المؤسسات
