السفير عمر دهب يكتب : فولكر عَرَضٌ لِمَرَض

أوغندا بالعربي – متابعات


أعتقد أن السيد الدكتور فولكربيرثس المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للسودان ورئيس بعثة (يونتامس) بعد أن إستقر به المقام في البلاد وبعد أن استقل لأول مرة في سيرته المهنية برئاسة إحدي بعثات الأمم المتحدة التي يطلق عليها إسم البعثات السياسية الخاصة، شعر أن الطريق ممهد أمامه ليس للمساعدة في عبور الفترة الإنتقالية وإنما لهندسة مستقبل السودان السياسي على هدىً من أجندة الإتحاد الأوربي والأجندة البريطانية وأخص بالذكر بريطانيا لكونها لم تعد عضواً في الإتحاد الأوربي ولكونها في ذات الوقت شديدة الاهتمام بالوضع في السودان وشديدة الحرص على تقليم أظافر تطلعاته وخياراته والسعي إذا فشل في ذلك إلى فرض مزيد من الضغوط عليه.
السيد فولكر داخَلَه شعورٌ قوي بأن حالة الإنقسام والتوهان ستعينه وقد تَدَعَّم ذلك الشعور بعد إبرام (الاتفاق الإطاري) وتأييد قائد قوات الدعم السريع له. في خضم هذا الشعور الذي إعتراه نسي فولكر أو تناسى طبيعة البعثات السياسية القائمة على مبدئين جوهريين وهما الحياد وإشراك الجميع تماماً. من جانبه وفي المقابل، والشئ بالشئ يذكر، أغفل رئيس وزراء الفترة الإنتقالية الأولى د. حمدوك ونسي فسحة التحرك والتحكم التي تتيحها له هذه البعثة الأممية بإعتبارها إحدى البعثات السياسية الخاصة في نظام عمليات السلام في الأمم المتحدة ولو أخذ بها لكان قد دعم القرار الوطني ودعم سلطته الوطنية في إرساء نظام إنتقالي واضح المعالم يقوم بدوره في إرساء وضمان مستقبل مستقر للديموقراطية في السودان. وقد ضل الرجلان، كل في إتجاهه، بدليل ما أسهما فيه مع غيرهما فيما وصلت إليه الأحوال اليوم في مشهد هذه الحرب المستعرة. والأمر الأكثر خطورة اليوم هو سعي فولكر لتوريط البلاد مع الأمم المتحدة ومن ورائها (المجتمع الدولي) وبأسهما شديد على المستضعفين.
قبل ثلاثة أعوام وفي الثالث من يونيو ٢٠٢٠م، أجاز مجلس الأمن قراره المرقوم ٢٤٢٥ بنشر بعثة سياسية خاصة في السودان يترأسها السيد فولكر بيرثس مبعوثاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة للقيام بالمهام التالية خلال الفترة الإنتقالية:-
1- المساعدة في عملية الإنتقال السياسي وتقديم المساعدات التقنية لصياغة الدستور وتعداد السكان والتحضير للإنتخابات.
2- دعم عمليه السلام وتنفيذ إتفاقياته.
3- المساعدة في حماية المدنيين في دارفور.
4- تعبئة المساعدات الإنمائية والإنسانية.

لعب السيد فولكر دوراً لا تخطئه العين في العملية السياسية في السودان من غير أن يصيب أياً من الأهداف المذكورة متعدياً الدور المرسوم له في )المساعدة والدعم( وهما العامل المشترك في المهام والاهداف المذكورة، بل إنتهى به الأمر ليكون أحد مسببات أول حرب داخلية شامله في السودان يكون مسرحها الأول العاصمة القومية وأول حرب هجومية شاملة على الجيش الوطني وأول حملة عسكرية لإنتهاك كل مبدأ وكل نص في القانون الدولي الإنساني في عملية منظمة قل نظيرها في تاريخ المدنية الحديث. كما أنه بفضل من أصروا على نشر هذه البعثة الأممية في السودان من غير داعٍ وطني او محلي حقيقي، عاد الإقتتال والإحتراب إلى دارفور بعد أن إنخفضت وتيرته منذ بداية عام ٢٠١٤م إلى أن إنتهى تماماً بحلول يونيو ٢٠١٨م الذي أعلن فيه السيد جان بيير لاكروا ، وكيل الأمين العام للامم المتحدة لعمليات السلام أمام مجلس الامن )أن الحرب في دارفور قد اصبحت في ذمة التاريــــخ ).

تعمل القوات المسلحة السودانية بنجاح على إجهاض عملية عسكرية إنقلابية من قوات ضخمة تمددت وتضخمت وإستأسدت في كامل التراب الوطني السوداني وبتركــيز أكثر من ٦٠٪ من قواته في العاصمة الوطنية. أكبر التحديات التي تواجه هذه العمليةالتي تقوم بها القوات المسلحة للدولة هو تحصين هذه العملية من صنوف التدخل الدولي الذي يشكل رأس الرمح فيه السيد فولكر والذي يسعى لضمان دور للدعم السريع في الحياة السياسية للسودان في الفترة الإنتقالية التي يتم تمديدها زمنياً كل مرة ولما بعد هذه الفترة وذلك بإعادة تخليقه ونفخ الروح فيه وهو تحد كبير وخطر داهم. هذا السعي المغرض من فولكر ومسانديه في الخارج إذا اضفنا إليه السعي لتكريس الدعاية الجارية لتصوير القوات المسلحة للدولة بانها مجرد )طرف( ينم عن هدف بعيد المدى لتفتيت السودان وتقسيمه من خلال إزكاء نار الحرب الاهلية وإصطلام السودانيين بعضهم البعض.
القوات المسلحة لأية دولة تمثل أحد أركان شرعية هذه الدولة بل أن منظمة الامم المتحدة تملك بموجب ميثاق الامم المتحدة جيشاً لوقف العدوان من أية دولة على أية دولةأخرى والذي يشكل تهديداً للسلم والامن الدولي. وينص الميثاق على قيام هيئة أركان حرب تتشكل من رؤساء أركان حرب الدول دائمة العضوية يكون على رأسها رئيس للهيئة. وإن كانت هيئة الاركان لم تر النور فإن هذه النصوص تأتي تأكيداً على المبدأ الطبيعي المستقر في حق قيام الدول بالدفاع عن نفسها عن طريق جيوشها الوطنية بل إن أية دولة تتعرض للعدوان داخلياً أو خارجياً لها الحق في طلب العون والإمداد العسكري من اية دولة تراها وذلك ما تُفَصّله المادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة

إذاً لا يمكن بأية حال إعتبار القوات المسلحة لأية دولة مجرد طرف أو أحد (تشكيلين عسكريين( متصارعين حسب الوصف غير المقبول من السيد فولكر للقوات المسلحة السودانية في الإيجاز الصحفي الذي عقده في مباني مجلس الامن عقب جلسة المجلس في ٢٢ مايو المنصرم. تحدث السيد فولكر في إيجازه الصحفي عن الفظائع التي ارتكبت والإنتهاكات التي طالت المدنيين ومنها إخراجهم من بيوتهم في الخرطوم وإغتصاب النساء وإحتلال المستشفيات وحرق دار الوثائق القومية والإعتداء على متحف السودان القومي والذي نعتبره بحق حفيظاً على أحد أهم شواهد تاريخ البشرية في أرضٍ هي مولد الإنسانية،وغيرها مع الرفض الصريح كما جاء في إجابته لممثلة قناة الجزيرة عن تسمية الطرف المنتهك

كل ما تقدم وغيره مما أثاره كثيرون يجعلنا نرجح أمر هذه الهندسة السياسية لمستقبل ومصير السودان والذي يلعب فيه فولكر دوراً كان يلعبه غيره من قبل . لذلك فإن فولكر لا يمثل إلا مظهراً من مظاهر هذه الأجندة التي لم تتمكن هذه الثورة الشعبية الواسعة التي إندلعت في ديسمبر ٢٠١٨م من وقفها أو الحد من غلوائها رغم أن العالم كله قد إستقبلها بالترحاب والإنبهار. من ضمن مشمولات هذه الأجندة ، يأتي التركيز على غارات الطيران السوداني التي أحدثت خسائر فادحة في صفوف الدعم السريع بقصد إخراجها من العمليات العسكرية بمختلف الذرائع والدعاوى.
ورغم ان التقرير المقدم من فولكر والسكرتارية في الأمم المتحدة بإسم الأمين العام يأتي على ذكر الإنتهاكات الفظيعة ، إلا أنه سكت عن الإشارة لمرتكبيها. الحياد هو التبرير لهذا السكوت وهو نفسه -أي الحياد- الذي رمى به جانباً السيد فولكر عندما أتى على ذكر القوات المسلحة السودانية في إحاطته لمجلس الامن. مصداقاً لذلك يقول التقرير على لسان الامين العام:-

(لقد هالني إستمرار القتال في الأماكن المكتظة بالسكان والهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية بما ذلك المنازل والمستشفيات والمدارس وأماكن العبادة والعاملين في المجال الإنساني والطبي وحوادث نهب موظفي الأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الإنسانية الأخرى وهي غير مقبولة)!
في الثاني من يناير ٢٠١٩م، أعلنت الحكومة الصومالية أن السيد نيكولاس هايسوم المبعوث الخاص للامين العام للأمم المتحدة (شخص غير مرغوب فيه) وطلبت منه مغادرة الصومال فغادر. أعلن الأمين العام للأمم المتحدة (صدمته من القرار الصومالي وعبر عن ثقته في مبعوثه). دخلت السكرتارية في إدارة الأمم المتحدة في نيويورك في جدل قانوني بان إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام ١٩٦١ تنطبق على البعثات الدبلوماسية للدول ولا تنطبق على مسئولي الأمم المتحدة ومبعوثيها. عاد السيد/ هايسوم وهو رجل هادئ إلى نيويورك وإشتغل في مهام أخرى وبرز إسمه في قائمة المرشحين لرئاسة البعثة السياسية الخاصة بالسودان والتي تقدم بطلب نشرها معالي السيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في ٢٧ يناير ٢٠٢٠م بموجب رسالة فصيحة بالإنجليزية تحمل صبغة لغة الأمم المتحدة UN Jargon ​.

وعلى سبيل المقارنة بين القرارين الصومالي والسوداني، نلاحظ أن السودان راعى إبتداءاً علاقاته وصلاته الوطيدة بالأمم المتحدة وأمينها العام والذي يحتل السودان والسودانيون مكانةً في عقله وقلبه وإتبع في ذلك الكياسة والحسنى بطلب قدمه إلى السيد الأمين العام حتى يصدر القرار عنه نزولاً كريماً عند رغبة دولة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة.
من المهم الإشارة هنا إلى أن السيد فولكر يترأس بعثة سياسية خاصة (يونتامس) تعود الملكية (ownership) فيها إلى البلد المعني وهو ما أشار إليه قرار إنشائها نفسه في فقرته الثانية بأن الأهداف التي انشئت البعثة لتحقيقها يجب أن تتوافق مع مبدأ الملكية الوطنية هذا.

بناءاً على كل ذلك وبناءاً على ما بادر به السودان من خطوة دبلوماسية محمودة فليس أمامه إلا أن يمضي في تأكيد رغبته وإتخاذ ذات الخطى التي أقدم عليها أكثر من مرة في تاريخه بعد أن يكون قد إستنفذ خياره المتاح وأعذر.
إن الأمن هو الهدف ذو الأولوية في هذه المرحلة الفاصلة، والإستقرار هو الهدف الوطني الأسمى. إن الاستقرار يضمن على الدوام سلامة المواطنين وأمنهم ويضمن التعافي والنمو الاقتصادي والتضامن الاجتماعي، كما يضمن أن يعود السودان مرة أخرى ليؤدي دوره في السلام الإقليمي والدولي. إن القفز فوق هذه الحقائق وهذه الشروط المطلوبة وجوباً لا يعني غير تكريس العنف والإضطرابات وإستمرار الفوضى. لن تعيننا هذه البعثة السياسية وعلى الأخص برئيسها هذا إلا على الجدل العقيم وإنفراط العقد.

السفير عمر دهب المندوب الدائم الأسبق للسودان نيويورك
الأول من يونيو ٢٠٢٣م

مشاركة الخبر

مشاركة الخبر

قد يعجبك أيضاً