الكثيرون استغربوا واندهشوا من حالة الحزن والحداد التي اكتستني فور إعلان نبأ وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق ووالد الأمير الحالي الشيخ تميم، وتساءلوا عن سر علاقتي، كإعلامية ذات تاريخ حافل بالنشاط والعمل داخل السودان (فقط)، بدولة قطر وأسرتها الحاكمة.
ولعل الكثيرين لا يعرفون حقيقة أنني نشأت وترعرعت في دولة قطر الحبيبة ضمن جيل كامل من أبناء السودانيين في حقبة الثمانينيات والتسعينيات. عشت طفولتي وصباي، ودرست في مدارسها الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتعلمت الشجاعة الأدبية وفنون الإلقاء في طابور النشاط المدرسي هناك. شاركت في مسابقات المدارس، ومثلت مدرستي، واكتسبت معاني الإصرار والعزيمة والفوز والتفوق من هناك، من مدارس الريان وسكينة وغيرها.
تفتحت عيناي على طريق التحصيل والعلم والمعرفة هناك، وحفظت نشيد العلم القطري، وأنا أردده في طابور الصباح: (يا قطر، أنت الحياة، أنت الوجود، يا قطر، يا أحلى لحن في الوجود… إلخ)، حتى قبل أن أحفظ نشيد العلم السوداني.
حصدت جوائز كثيرة وقيمة ومشجعة، فذقت حلاوة التشجيع والاحتفاء، وكسبت سعادة وفخر أسرتي ووالدي، رحمه الله، الذي أفخر أنه كان ضمن الرعيل الأول والسواعد الأولى من السودانيين الذين ساهموا في نهضة وبناء قطر في عهد الأمير الجد والأمير الوالد. وأفخر أيضًا أن إخوتي الأربعة وأعمامي كانوا ضمن من انخرطوا في مسيرة العمل والبناء.
لذا تعمق الانتماء في دواخلنا ونحن صغار آنذاك، وشعرنا أننا جزء من هذا المكون العبقري الفريد للشعب القطري المضياف، والذي لم نحس، ونحن بينهم، بالغربة أو الخوف أو الاضطهاد، حتى غادرتها في وقت مبكر للدراسة الجامعية، ثم العمل والزواج.
ولكن عندما عدت إليها في زيارة عمل خاطفة قبل سنوات، يحملني الشوق وذكريات الطفولة والصبا وعبق الزمن الجميل، لم أجد تلك السوح التي تركتها خلفي، بل وجدت تطورًا وحداثة وقفزة كبيرة في مجالات عدة. ومع سعادتي بذلك، إلا أنني كنت أبحث عن سوق واقف بأصالته القديمة، وحي الريان القديم، وحي معيذر العريق، والمرة، والغانم، ودخان، ومدينة خليفة القديمة، والدفنة، والكورنيش القديم، والسلام بلازا، وغيرها من الأماكن.
وكنت أبحث في عيون السيدات عن معلمتي منيرة العامري، أستاذة اللغة العربية، التي كانت تلقبني بالأديبة الصغيرة، وأبحث عن معلمتي عائشة المري، وهي أول من حبب إليَّ ارتداء الحجاب، ولم أخلعه منذ ذلك الوقت وأنا صغيرة. وأبحث عن صورة والدي في وجوه أصدقائه، وقد فارقنا قبل سنوات، وما تغير حبهم له، ولا حبه لهم، ولقطر.
نعم، أنا حزينة على فقد الأمير الوالد، أنا وجيل كامل يُعد بالآلاف، بل الملايين، نشأوا وترعرعوا في كنفه ورعايته وحبه، فصاروا الآن ملء العين والبصر في كل المجالات.
ورغم أنني لست من محبي الترندات، إلا أنني أدعو فقط جيلي إلى التسجيل في حملة الدعاء والتضرع للأمير الوالد، فكم، يا ترى، سيكون العدد؟
رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما قدم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
المذيعة / هالة محمد عثمان المك
12 يوليو 2026