أم نعيم النور تكتب: السودانيون في كمبالا… غربةٌ تفتح أبواب الضياع

IMG-20251125-WA0026

اوغندا بالعربي – كتبت : ام نعيم النور

شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا خلال السنوات الأخيرة موجات متزايدة من السودانيين الفارّين من الحرب والاضطراب وانعدام الأمان.
جاء معظمهم بحثًا عن بداية جديدة أو ملاذ يخفف قسوة الواقع، غير أنّ الحقيقة على الأرض تكشف عن مأساة صامتة تتسع يومًا بعد يوم: شبابٌ تائهون، فقدوا مسارهم وسط ضغوط الغربة، واستسلموا تدريجيًا للسكر والإدمان حتى أصبح الموت المفاجئ بينهم خبرًا مألوفًا.

كمبالا… محطةٌ بلا مرافئ آمنة 
على الرغم من هدوء كمبالا الظاهري، فإنها ليست مدينة سهلة لوافدٍ بلا سند.
تكاليف المعيشة مرتفعة، وفرص العمل محدودة، والقادمون الجدد يجدون أنفسهم في عزلة قاسية، بعيدين عن أسرهم ومجتمعهم ومحيطهم الطبيعي.
هذه العزلة صنعت فراغًا عميقًا، والفراغ — بطبيعته — يفتح أبوابًا كثيرة… معظمها مؤذٍ.

الادمان… موتٌ بطيء لا يثير ضجيجًا

انتشار الادمان بين الشباب السودانيين في كمبالا لم يعد حادثًا فرديًا، بل أصبح ظاهرة مؤلمة.
يشربون هربًا من الحرب، ومن الذكريات، ومن شعور العجز الذي يطاردهم كظلّ ثقيل.
لكن الهروب هذا ثمنه كبير فقد انتشرت حالات وفاة مفاجئة و انتحار داخل غرف ضيقة لا يسمع بها أحد إلا بعد فوات الأوان…
يموت الشاب وحيدًا، وتستقبل أسرته الخبر وكأن الحرب امتدّت لتطال روحًا أخرى خارج الحدود.

الكحول الرخيصة… بوابة الانهيار الأكبر

الكحول في كمبالا متاحة ورخيصة ، وتُنتج بعض الخلطات بمواد قوية وخطرة أكثر من المألوف.
وفي غياب الوعي والدعم النفسي، يسهل على كثير من الشباب الانزلاق نحو الإدمان، ظنًّا منهم أنه حلّ مؤقت… فينتهي الأمر بانهيار العلاقات، وضياع فرص العمل (إن وجدت )، وتدهور الصحة، وفقدان الكرامة. كل ذلك يبدأ من جرعة “لرفع المزاج”… ثم يتحول إلى سلسلة لا يمكن كسرها بسهولة.

من يتحمل المسؤولية؟

لا يمكن تحميل كمبالا وحدها هذا العبء؛ فالمدينة مجرد مكان.
المشكلة الحقيقية تكمن في الغربة القاسية، والضغط النفسي، والفراغ، وغياب التوجيه، وانقطاع الروابط الاجتماعية.
الشاب السوداني ابن بيئته، تربّى على الجماعة والدعم المتبادل.
وعندما يجد نفسه وحيدًا بلا خطة ولا سند، يصبح هشًّا أمام أي ملاذ زائف يمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.

الحل يبدأ من المجتمع السوداني نفسه

مواجهة هذه الظاهرة تتطلب صوتًا شجاعًا لا يخشى كشف الحقيقة، وتتطلب مبادرات واضحة، منها:
1. تنظيم دعم مجتمعي عبر الجاليات السودانية في أوغندا.
2. إطلاق برامج توعية موجهة للشباب بلغتهم وبأسلوب قريب منهم.
3. توفير خطوط تواصل وإرشاد للقادمين الجدد.
4. تقديم دعم نفسي عبر جلسات فردية أو جماعية، لأن المشكلة في جوهرها نفسية قبل أن تكون اجتماعية.

ختامًا

إنّ ما يحدث في كمبالا لا يرتبط بالبحث عن رفاهية أو مغامرة، بل هو نتيجة واقع مرير دفع الكثيرين إلى الهجرة دون حماية كافية من مخاطر الغربة.
أكتب هذا المقال وأنا أتذكّر وجوهًا كثيرة كان يمكن أن تكون علامات مضيئة في مستقبل وطننا… لكن الغربة استهلكتها قبل أن يُتاح لها أن تنضج.

كمبالا ليست نهاية الطريق،
لكنها قد تكون نهاية موجعة لمن يواجهها وحده.
أما من يجد الدعم والوعي والرفقة الصالحة… فقد تكون بالنسبة له بداية جديدة تستحق أن تُروى.

مشاركة الخبر

مشاركة الخبر

قد يعجبك أيضاً